بأناقة لا تخطئها عين، وبدلة ضيقة تحاكي أحدث صيحات الموضة، يعتدل في جلسته داخل أحد مقاهي القاهرة الراقية، ممسكاً بهاتفه الآيفون، وبنبرة تجمع بين الثقة المطلقة والمصطلحات الإنجليزية المنمقة، يبدأ في شرح" الماستر بلان" لمشروع سكني ما زال مجرد رسومات على الورق.
لو بعث الفنان توفيق الدقن من مرقده اليوم، لربما اعتذر عن جملته الشهيرة في فيلم" ابن حميدو": " أنا الباز أفندي.
ساقط توجيهية ويسكن في العباسية"؛ فنسخته العصرية لعام 2026 لم تعد تكتفي بـ" التوجيهية"، بل تسلحت بأدوات تكنولوجية وقدرات بيعية تفوق الوصف، وتحولت إلى جيش جرار من" المستشارين العقاريين" الذين غمروا السوق من كل حدب وصوب.
المفارقة هنا، أنك لو فتشت في الخلفيات المهنية لهؤلاء المسوقين الجدد، لن تجد" ساقطي توجيهية"، بل ستصطدم بطبيب ترك عيادته، ومهندس هجر مواقعه، ومحام أغلق مكتبه؛ فالسوق النشط أغرى أصحاب المهن المرموقة بهجرة جماعية نحو" السبوبة الكبرى"، حيث يمكن لضربة حظ واحدة، أو" بيعة" تتم دون مجهود يذكر، أن تدر عمولة مليونية تعادل رواتب سنوات من العمل الشاق.
هذا التدفق السلس حول الوساطة العقارية إلى منظومة عشوائية غير منظمة بامتياز، فتحت أبوابها على مصراعيها لكل من هب ودب دون رخصة أو حسيب.
ولم يعد الأمر مجرد مطاردة بسيطة كـ" مطاردة هند رستم" على شواطئ السويس، بل تحول إلى ظاهرة غريبة: فما أن يوفق أحدهم في" بيعتين أو ثلاثة" ويحصد عمولاته السريعة، حتى يسارع برفع لافتة" رئيس مجلس إدارة" ويؤسس شركة تسويق خاصة به، لينضم إلى آلاف الشركات الوليدة التي تبيع نفس الوعود داخل نفس الكومباوند.
وصلت العمولات في بعض الطروحات العقارية إلى مستويات غير مسبوقة، لتبلغ نحو 10% من إجمالي قيمة الوحدة، بحسب ما أشار إليه الرئيس التنفيذي لشركة" Alma Investment"، صابر قطب، الذي أوضح أن السوق يستقبل سنوياً ما بين 20 و30 ألف مسوق جديد.
تشير التقديرات غير الرسمية في السوق إلى أن عدد شركات التسويق (المرخصة وغير المرخصة) في مصر بات يقدر بآلاف الشركات، لدرجة أن بعض الخبراء في القطاع وصفوا الوضع بأن" هناك شركة تسويق لكل مواطن".
فلا توجد حتى الآن إحصائيات رسمية دقيقة تحدد حجم العاملين أو عدد الكيانات الفعلية في قطاع التسويق العقاري في مصر، بسبب طبيعة السوق اللي بتجمع بين شركات مسجلة، ومكاتب وساطة، وأفراد يعملون بشكل مستقل.
لكن بعض التقديرات المرتبطة بالجهات التنظيمية، من بينها الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، تشير إلى وجود ما يقرب من 10 آلاف شركة تعمل في نشاط التسويق والوساطة العقارية.
في المقابل، تظهر نتائج البحث على منصة لينكدإن أن عدد المشتركين المسجلين بوظيفة مسوق عقاري أو مستشار عقاري تجاوز 150 ألف إلى 200 ألف حساب نشط، تشمل مستشارين عقاريين وبروكرز وتيم ليدرز.
هذه الدائرة المفرغة خلقت في نهاية المطاف جيشاً من الكيانات الوليدة التي تفتقر لأدنى مستويات الملاءة المالية أو الخبرة، مما فجر موجة غير مسبوقة من الفوضى وممارسات" البيع الشرس والعنيف".
ولم يعد الأمر يقتصر على المشادات والمشاجرات بين المسوقين لاقتناص العملاء في المعارض العقارية الكبرى، بل تحول إلى حصار يومي يطوق المواطن أينما ذهب، بحسب قطب.
وأضاف قطب أن العميل يجد نفسه محاصراً وسط طوفان من الشركات الناشئة التي تبيع ذات المشروعات بنفس الوعود؛ ما بين سيل من المكالمات العشوائية التي لا تنقطع ليل نهار، ورسائل ال" واتساب" المتلاحقة، وصولاً إلى مقاطع ال" ريلز" وال" تيك توك" التي تفرض نفسها على شاشته لتستعرض رفاهية مشروع يقترب من كل المحاور والخدمات، ويعدك بالتسكين الفوري" صباح الغد"، والمفارقة أن هذا الفردوس الموعود غالباً ما يكون مجرد" أرض فضاء" لم تلامسها معدات البناء بعد!استراتيجية بيع تعتمد بالأساس على" اللعب على الوتر النفسي" (الخوف من فوات الفرصة) أو ما يعرف في الأسواق العالمية بال" FOMO"؛ حيث يمارس المسوق ضغطاً عصبياً هائلاً على العميل يضعه بين خيارين لا ثالث لهما: إما الشراء الفوري الآن، أو الاستيقاظ غداً على قفزة سعرية جديدة تلتهم مدخراته، وتجعله يتحسر على فرصة العمر التي ضاعت من بين يديه إلى الأبد.
هذا التحول خلق نوعاً من الاستسهال في المهنة، فتراجع مفهوم الطموح المهني والتطوير الذاتي لصالح منطق" البيعة السريعة" والعمولة الفورية، بغض النظر عن جودة المشروع أو مدى جاهزية الشركة المطورة.
ومع غياب الضوابط الصارمة في بعض الحالات، أصبح معيار النجاح لدى البعض مرتبطاً بعدد الصفقات لا بجودتها أو أثرها، وهو ما ساهم في تعميق الفجوة بين جوهر المهنة كوساطة قائمة على الثقة، وبين واقعها الحالي كسباق محموم على إتمام البيع بأي ثمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك