تحولت ما تصفه إسرائيل بـ" المناطق الأمنية العازلة" في قطاع غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا من خطوط مؤقتة، نظريًا، إلى نطاقات احتلال أو نفوذ عسكري واسع على الأرض.
ووفق توثيق أجراه فريق" مسبار" في التلفزيون العربي، تتجاوز المساحات الخاضعة للاحتلال المباشر أو التأثير العسكري الإسرائيلي 1100 كيلومتر مربع، في مؤشر على مساعٍ لترسيخ أحزمة أمنية ومناطق نفوذ تمتد عبر أكثر من جبهة، تتفاوت فيها السيطرة بين التمركز العسكري الدائم والتحكم الميداني وفرض القيود على الحركة.
تمدد الأحزمة الأمنية في لبنانوتبرر إسرائيل هذه السياسة بدواعٍ أمنية.
ففي قطاع غزة أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في أبريل/ نيسان 2025، أن الجيش لن ينسحب مما سماها" المناطق الآمنة" حتى بعد أي تسوية مستقبلية.
وفي جنوب لبنان أبقت إسرائيل، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، على مواقع عسكرية اعتبرتها جزءًا من منطقة عازلة.
أما في الجولان السوري، فقد أنشأت مواقع جديدة تتجاوز حدود المنطقة العازلة المعروفة.
في جنوب لبنان، أظهرت المطابقة الجغرافية لمواد مصورة نُشرت بين 12 مايو/ أيار والأول من يونيو/ حزيران الماضيين أن التحرك الإسرائيلي امتد إلى شبكة أوسع من التمركزات العسكرية.
ففي 12 مايو نشر الصحفي الإسرائيلي نون ييتاح مقطع فيديو يوثق إنشاء جسر فوق نهر الليطاني.
وبعد يومين نشر حزب الله تسجيلا مصورًا يظهر قوات وآليات إسرائيلية داخل بلدة الطيبة.
كما نشر الصحفي الإسرائيلي إيمانويل فابيان، أواخر مايو، مشاهد لقوات إسرائيلية داخل قلعة الشقيف، حيث أكد التحقق الجغرافي وجودها على بعد نحو خمسة كيلومترات من أقرب نقطة حدودية مع الأراضي المحتلة.
وكان وزير الأمن الإسرائيلي قد أعلن أن قواته ستبقى في القلعة الاستراتيجية ضمن ما وصفها بـ" المنطقة الأمنية الجديدة" في جنوب لبنان.
وبناء على النقاط التي تحقق منها فريق" مسبار"، أُعدت خريطة لمواقع الوجود والتحرك الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وبالاستناد إلى أدوات القياس في" غوغل إيرث"، قُدرت مساحة الاحتلال أو التأثير العسكري الإسرائيلي بنحو 625 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل قرابة 6% من مساحة لبنان.
ويقع جزء كبير من هذه المساحة ضمن مناطق شملتها أوامر إخلاء متكررة ترافقت مع قصف مكثف للمدن والبلدات الجنوبية.
ففي الثاني من يونيو/ حزيران، وثقت الصحفية الهولندية الأميركية كورني بون حزامًا ناريًا واسعًا في جنوب لبنان، تمكن الفريق من تحديد موقعه جغرافيًا.
الأحزمة الأمنية تمدد في غزة أيضًاوفي قطاع غزة يتكرر النمط ذاته تقريبًا.
فعلى الرغم من مرور نحو تسعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في نهاية مايو/ أيار الماضي، رفع نسبة الأراضي المشمولة بالمنطقة العازلة إلى 70% من مساحة القطاع، بعدما كانت تتجاوز 60% بحسب تصريحاته.
ولقياس نطاق الاحتلال، اعتمد فريق" مسبار" أدوات القياس في" غوغل إيرث" عبر إسقاط خريطة ما يعرف بالخط الأصفر وإضافة المناطق التي رُصدت فيها توغلات إسرائيلية إضافية.
وأظهرت النتائج أن نحو ثلث مساحة القطاع فقط يقع خارج نطاق الاحتلال البري المباشر أو المعلن، مقابل ما يقارب 425 كيلومترًا مربعًا تحت الاحتلال أو التأثير العسكري الإسرائيلي.
الوضع في سوريا مشابه لما في غزة ولبنانأما في سوريا، فمع سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، تحرك الجيش الإسرائيلي سريعًا متجاوزًا خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وسيطر على المنطقة العازلة قبل توسيع انتشاره إلى مواقع أعمق في محافظتي القنيطرة ودرعا ومحيط جبل الشيخ.
ويحظى جبل الشيخ بأهمية استراتيجية خاصة.
ففي يناير/ كانون الثاني 2025 أعلن يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة العازلة ومحيط الجبل إلى أجل غير مسمى.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الأمر لا يتعلق بانتشار مؤقت، بل بتمركز طويل الأمد يترافق مع إنشاء مواقع عسكرية وطرق ونقاط مراقبة جديدة.
وقد رصد فريق" مسبار" عددًا من هذه المواقع قرب مجدل شمس وجباتا الخشب والحميدية والقنيطرة والقحطانية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء مواقع جديدة شمال خط الفصل قرب مجدل شمس، حيث تتموضع القوات الإسرائيلية على عمق يزيد على كيلومترين داخل المنطقة.
كما رُصدت مواقع مراقبة ومنشآت لوجستية قرب بلدة جباتا الخشب.
ومن هذه النقاط وسعت القوات الإسرائيلية نطاق تحركاتها، حيث ظهرت آلياتها العسكرية على طرق ومواقع عدة في القنيطرة وريف درعا خلال الأشهر الماضية.
وباستخدام أدوات القياس في" غوغل إيرث"، قُدرت مساحة الاحتلال أو التأثير العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا بنحو 235 كيلومترًا مربعًا.
ولا تخضع هذه المساحة كلها لسيطرة مباشرة، لكنها تمثل نطاقًا تتحرك فيه القوات الإسرائيلية أو تدير داخله مواقع ثابتة ونقاط مراقبة وطرقًا عسكرية، بما يشكل منطقة نفوذ فعلية.
ويترافق هذا التوسع مع مطالب إسرائيلية بنزع السلاح من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، ضمن تصور أمني يرى خبراء أنه قد يمتد عمليًا حتى الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، على مسافة تقارب 65 كيلومترًا من أقرب مواقع انتشار للجيش الإسرائيلي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك