خلال أسبوع واحد فقط من عرضه (منصة شاهد) تصدر فيلم" الإبرة" قائمة Top 10 في الجزائر، في المركز الثاني بعد فيلم" الست".
يقدم الفيلم حكاية والدين تونسيين يرزقان بطفل ثنائي الجنس بعد أربعة أعوام من محاولات الإنجاب.
من هنا تبدأ حيرتهما ورحلتهما معه منذ لحظة ميلاده الأولى، وما رافقتها من مواقف متباينة بين الأم والأب، وبتوظيف إشارات بصرية تخدم السياق ومناخاً درامياً ميزته المدرسة الواقعية في التعامل مع المشاعر المضطربة للشخصيات.
قبل بلوغ عقدة فيلم" الإبرة"، يتأنى المخرج عبدالحميد بوشناق في بناء شخصية الزوج، الذي يظهر وعياً شرقياً واضحاً في حواراته مع أصدقائه في المقهى الشعبي.
فعندما يسأله أحدهم إن كان يترقب بنتاً أم صبياً؟ يرد عليه ممازحاً: " أنا راجل نجيب راجل"، كما لو كان إنجاب الأنثى ينتقص من رجولته! يمثل الزوج نموذجاً حياً للمجتمع المحافظ الذي جاء منه، لا يتقبل الجدال إن تعلق الأمر بالصورة النمطية الصارمة للرجل، ويتوجس من أي وضع يمس ذكورته أو يشكك في فحولته.
لكن آخر ما كان يتخيله، هو أن تخبئ له الأيام قدراً بيولوجياً صادماً، عندما يرزق بطفل يحمل عضوين جنسيين، أنثوياً وذكرياً، ليواجه أصعب صراع يمكن أن يعيشه رجل مثله، صراعاً مريراً بين الأبوة والذكورة.
وعبر أداء متميز للممثل بلال سلاطنية الذي برع في تقمص شخصية الزوج، يكتشف المتلقي طبيعة العلاقة بين الزوجين، مريم ومحمد علي، دالي.
يبدأ الفيلم في عيادة طبيبة النساء والتوليد، أثناء إجراء فحص إيكوغرافي، لتزف إليهما بشرى جنين انتظراه لأعوام.
ومع تقدم الحمل، تجمع بينهما مشاهد حميمية ودافئة، تعكس ارتباطهما عن حب لا مجرد زواج تقليدي، غير أن علاقتهما ستخضع لأول اختبار حقيقي بمجرد ميلاد الطفل ومعرفتهما بوضعه الخاص، وهو ما سيشعل صراعاتهما الداخلية ونزاعات كل منهما مع الآخر، حول تقبل الابن وتقرير مصيره.
سيكولوجية الأم: بين العقل والعاطفة والغريزةتجسد الممثلة فاطمة صفر دوراً مؤثراً يعكس التمزق النفسي لأم تواجه مأزقاً في علاقتها بمولودها الجديد وهي لا تدري هل تمنحه اسم صبي أم بنت؟ وبأي ضمير تتحدث عنه هو أم هي؟ ولكنه في النهاية يبقى قطعة منها، وهي مستعدة لمواجهة العالم لحمايته.
تضعها الطبيبة أمام قرار شديد الصعوبة عندما تمنح الزوجين مهلة ثلاثة أيام فقط لتحديد جنس المولود، وعلى أساس ذلك الاختيار ستبنى حياة كاملة لإنسان صغير، لا يمتلك الوعي ولا القدرة على التعبير عما يريده.
في الوقت ذاته، تتحمل مريم مسؤولية حماية صغيرها من والده، إذ أضحت تخاف عليه منه، من اللحظة التي تقيأ فيها دالي عندما رأى ابنه عارياً.
هذا الرفض والاشمئزاز، عذبها بكوابيس ترى فيها زوجها يحاول أذية الطفل والتخلص منه ما دام عاجزاً عن تقبله واحتضانه ولمسه.
أمام كل هذه الصراعات، تخضع مريم لهشاشة أمومتها، وتتراجع عن فكرة تحديد جنس طفلها خوفاً عليه من أخطار جراحة معقدة ومضاعفات التخدير بعد يومين فقط من ولادته.
وتفضل تركه يكبر ليقرر لاحقاً مصيره بنفسه.
تسببت هذه الهواجس في استنزاف الأم، وهو ما تجلى في هالاتها السوداء وملامح متعبة تعبر عن خيبة عميقة وعن تمزق بين عقل يفكر في مصلحة الطفل وعاطفة ترتعش خوفاً على سلامته وغريزة أم تدافع بشراسة عن صغيرها.
يوظف المخرج عبدالحميد بوشناق عدة إشارات بصرية، توحي برموزها إلى تدهور العلاقة بين مريم ودالي وتباعدهما، فيظهر هذا التصدع في أكثر من كادر، بدءاً من لقطة استشرافية يقفان فيها أمام جدار متشقق يحمل شرخاً في المنتصف، وتتكرر هذه الإشارة في مشهد آخر عند وصولهما إلى العمارة، حيث يقف الزوجان أمام مدخلين متجاورين يفصل بينهما جدار، فيدخل كل منهما من جهة، بدلاً من الدخول معاً، وصولاً إلى جلوسهما في الحافلة على مقعدين متعاكسين وظهر كل منهما ملتصق بالآخر.
هذه التفاصيل البصرية المكثفة تترجم اختلاف مواقف الوالدين، وتجسد نزاعاتهما الصامتة بشأن القرار العاجل الذي يتعين عليهما اتخاذه.
يعد فيلم الإبرة من أكثر الأفلام التونسية جرأة، لا من ناحية القضية الحساسة التي اختار بوشناق التطرق إليها فحسب، ولكن أيضاً من ناحية شجاعة تعبير الخطاب اللغوي.
فالجرأة السينمائية تختلف مستوياتها من عمل إلى آخر، بين قوة الفكرة وجرأة الصورة بمشاهدها الحميمة وصولاً إلى كسر تابو اللغة عبر توظيف كلمات مباشرة تعد نابية في اللهجة العامية.
وهو تحديداً ما وظف في السيناريو عبر مشاهد عدة، أبرزها المشهد الذي يذهب فيه الجد إلى المسجد لاستشارة الإمام في مسألة تحديد جنس المولود، فيرتبك الإمام حائراً في الرد، وعاجزاً عن فهم المقصود من السؤال.
حتى يضطر الجد إلى تسمية الأعضاء بمسمياتها الاجتماعية الصريحة، مما فرض موقفاً كوميدياً طريفاً كسر رتابة الخط الدرامي وأضفى حيوية على المناخ القاتم للفيلم من دون أن يضعف من جديته.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وفي سياق التلقي النقدي للعمل، عبرت المخرجة ندى المازني حفيظ، في لقاء تلفزيوني عن خيبتها من الفيلم.
وانتقدت بحدة معالجة عبدالحميد بوشناق لقضية ثنائيي الجنس، حيث صرحت بأن أكثر ما استفزها هو مشهد تقيؤ الوالد عند رؤية رضيعه، قائلة إن مخرج العمل صور ثنائي الجنس كأنه" وحش"، ومبدية استغرابها من تقديم مشهد قد يكون جارحاً لهذه الفئة.
كما واصلت انتقادها لمشاهد الكوميديا السوداء التي تخللت العمل، إذ رأت فيها استخفافاً وسخريةً لا تحتمل، وتمنت لو أن بوشناق تناول المسألة من زوايا أخرى أكثر إنسانية.
أما عبدالحميد فقد عبر في أكثر من حوار له عن اعتزازه بالعمل، مؤكداً أنه لم يعكس سوى جزء بسيط من الواقع، في بلد لا تزال إحصائيات ثنائيي الجنس فيه غامضة وغير دقيقة.
وأشار بوشناق إلى أن كثيراً منهم لا يتعرضون للنبذ والإقصاء والتنمر فحسب لأن هنالك في تونس من يقيدهم بالسلاسل ويمنعهم من حق الخروج والحياة الاجتماعية، مضيفاً أن أقصى ما يتمناه هو أن ينجح الفيلم في لفت الانتباه للمساعدة على سن قانون ينصفهم.
على امتداد مائة دقيقة، تتصاعد الأحداث في إطار زمن خطي، يبدأ من لحظة اكتشاف الحمل إلى ولادة الجنين والتعامل مع وضعه الخاص، في مشاهد تعرض بوتيرة هادئة ورتيبة على رغم مما تحمله من انفعالات ومفاجآت نفسية، ولكن الأحداث تصل إلى ذروتها في نهاية الفيلم وبمشهد ختامي غير متوقع، يترك المتلقي في حالة من التأثر وهو يترقب مع الوالدين مصير هذا الطفل، طفل ولد في مجتمع شرقي، لا يتسامح مع الاختلاف وينحاز دوماً إلى فكرة الكمال على حساب الزيف والسمعة وآراء الآخرين وأحكامهم القاسية.
وفي الختام تستعرض الممثلة فاطمة صفر موهبتها في أقوى مشهد قدمته، الذي يعتبر" ماستر سين" الفيلم بأكمله، إذ قدمت بأدائها الملحمي المؤثر لمحة عما تحملته الأم على كاهلها، من ثقل العاطفة ومتاعب الغريزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك