أعادت المظاهرات التي شهدها حي السكري في مدينة حلب ملف العدالة الانتقالية إلى صدارة النقاش العام في سوريا، بعد أن طالب المشاركون بخروج من وصفوهم بفلول النظام المخلوع والمتورطين في الانتهاكات من الحي، داعين الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال السنوات الماضية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بتسريع مسار المحاسبة، بعد أشهر من سقوط النظام المخلوع، وسط شعور لدى عدد من الضحايا وذويهم بأن العدالة لم تحقق التقدم المأمول حتى الآن.
من حلب إلى دير الزور وإدلب.
مطالب متشابهةوفي هذا السياق، يقول الناشط المدني من حلب معتز عمار الحاج شعبة إن الحراك القائم لا يستهدف الحكومة أو مؤسسات الدولة، وإنما يهدف إلى المطالبة بتطبيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا.
ويضيف الحاج شعبة في حديثه لتلفزيون سوريا أن كثيراً من السوريين يشعرون بمرارة مضاعفة عندما يرون أشخاصاً يتهمونهم بالتورط في الانتهاكات يعيشون حياتهم بصورة طبيعية أو يشغلون مواقع داخل بعض المؤسسات، في حين ما تزال ملفات الضحايا معلقة بانتظار المعالجة.
ولم تقتصر هذه التحركات على مدينة حلب، إذ سبقتها اعتصامات ومظاهرات في محافظة دير الزور، كما شهدت مدينة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي حراكاً مماثلاً رفض عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق إلى المدينة.
ويبدو واضحاً من توسع رقعة المطالب الشعبية خلال الأيام القليلة الماضية وجود حالة عامة من عدم الرضا تجاه بطء معالجة ملفات الانتهاكات المرتبطة بالنظام المخلوع، ويؤشر إلى أن قضية العدالة الانتقالية باتت تشكل أحد أبرز مطالب الشارع السوري في المرحلة الراهنة.
ويؤكد الحاج شعبة أن المطالب المطروحة لا تتعلق بأسماء محددة فقط، بل ترتبط بمبدأ عام يقوم على محاسبة كل من يثبت تورطه في الجرائم والانتهاكات وفق القانون.
ويشير إلى أن حالة الغضب المتزايدة تعود إلى شعور الضحايا بأن معاناتهم لم تُترجم بعد إلى خطوات عملية تحقق الإنصاف وتعيد لهم الثقة بمؤسسات الدولة.
كما شدد على أن منظمي المظاهرات حريصون على عدم خروج التحركات عن أهدافها الأساسية أو استغلالها من قبل أطراف تسعى إلى توجيهها نحو مسارات أخرى، مؤكداً أن المطالب تتركز حصراً على تسريع العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
تأخر العدالة يفاقم الاحتقان الشعبيمن جانبه، يرى المحامي المختص بالعدالة الانتقالية علي عبد الحميد الزير أن خروج الاحتجاجات في عدد من المناطق السورية يرتبط بشكل مباشر بتأخر تفعيل آليات العدالة الانتقالية وعدم استكمال الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة لهذا المسار.
ويقول الزير في حديثه لتلفزيون سوريا إن السوريين رفعوا سقف توقعاتهم بعد سقوط النظام المخلوع، إلا أن غياب قانون واضح للعدالة الانتقالية وعدم وجود شرح كافٍ للخطوات التي يجري العمل عليها أسهما في زيادة حالة الإحباط الشعبي.
ويضيف أن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات جنائية، بل عملية متكاملة تشمل المحاسبة، وجبر الضرر، والتعويض، والإصلاح المؤسساتي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
ويؤكد الزير أن من الطبيعي أن يشعر الضحايا وذووهم بالغضب عندما يشاهدون أشخاصاً يتهمونهم بالتورط في جرائم أو وشايات أو انتهاكات جسيمة يتحركون بحرية في المجتمع، معتبراً أن هذه المشاعر يجب أن تؤخذ على محمل الجد من قبل الجهات المعنية.
كما يشير إلى أن الصمت أو البطء في الاستجابة لمطالب الضحايا قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان الشعبي، داعياً إلى اتخاذ خطوات عملية وسريعة تعيد الثقة بمسار العدالة الانتقالية وتؤكد جدية الدولة في معالجة هذا الملف.
دعوات لتسريع المحاسبة وتفعيل المسارات القانونيةويطرح الزير جملة من المقترحات لتسريع التعامل مع الملف، من بينها تفعيل المسارين القضائي والإداري بالتوازي.
فإلى جانب ملاحقة المتورطين قضائياً، يرى ضرورة تطبيق إجراءات العزل الإداري المؤقت بحق الأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات جدية تتعلق بالانتهاكات إلى حين البت في أوضاعهم القانونية.
كما يدعو إلى وضع الضحايا في مركز عملية العدالة الانتقالية، وإشراكهم بصورة مباشرة في النقاشات المتعلقة بهذا الملف، مع إنشاء آليات تواصل فعالة بين هيئة العدالة الانتقالية والأهالي المتضررين.
ويؤكد أن الإسراع في إقرار قانون العدالة الانتقالية يجب أن يكون من أولويات المرحلة المقبلة، باعتباره الإطار القانوني الذي سينظم عملية المحاسبة ويحدد الحقوق والواجبات والمسارات الواجب اتباعها.
هل تتجه الاحتجاجات إلى مزيد من التوسع؟ويحذر الزير من أن استمرار الظروف الحالية التي دفعت السوريين إلى التظاهر قد يؤدي إلى اتساع رقعة الاحتجاجات في مناطق أخرى، خاصة في ظل شعور الضحايا بأن مطالبهم لم تلقَ الاستجابة المطلوبة حتى الآن.
ويرى أن تأخر العدالة الانتقالية يبعث برسالتين سلبيتين في الوقت نفسه؛ الأولى للضحايا الذين يشعرون بأن حقوقهم مؤجلة، والثانية للمتورطين في الانتهاكات الذين قد يفسرون بطء الإجراءات على أنه مؤشر إلى إمكانية الإفلات من العقاب.
وفي المقابل، يؤكد الحاج شعبة أن المطالب الشعبية ما تزال منضبطة وتتمحور حول تحقيق العدالة، مشيراً إلى أن غالبية المشاركين في الاحتجاجات يدركون حساسية المرحلة وتعقيداتها، لكنهم في الوقت ذاته يرون أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة إرث الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
ومع استمرار المظاهرات في عدد من المناطق السورية، يبدو أن ملف العدالة الانتقالية مرشح للبقاء في صدارة النقاش العام خلال المرحلة المقبلة، باعتباره أحد أهم الملفات المرتبطة بمستقبل الاستقرار والسلم الأهلي، وبقدرة الدولة الجديدة على الاستجابة لمطالب الضحايا وإنصاف المتضررين من عقود طويلة من القمع والانتهاكات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك