ما الذي يمكن أن يقدمه ثاني أصغر لاعب في نهائيات كأس العالم 2026 في مواجهة صعبة ضد خط وسط منتخب البرازيل المكون من الثلاثي صاحب الخبرة والبطولات، كاسيميرو وبرونو غيماريش ولوكاس باكيتا، وخط هجوم يضم فينيسيوس وإيغور تياغو ورافينيا؟والإجابة هي هيمنة شبه كاملة طوال دقائق المباراة، دفاعاً وهجوماً، في إفساد هجمات المنافس وبناء اللعب لفريقه، في المراوغات والتمريرات وكل جوانب اللعب.
وحتى عندما قرر المدرب الإيطالي لـ" السيليساو" كارلو أنشيلوتي تبديل بعض لاعبيه بدماء جديدة، ظل تألق أيوب بوعدي البالغ من العمر 18 سنة جلياً، ليصبح حديث العالم بعد نهاية مباراة المغرب والبرازيل بالتعادل (1 - 1) في الجولة الأولى ضمن المجموعة الثالثة.
ولم يحتج بوعدي إلى أكثر من مباراة واحدة على مسرح كأس العالم حتى يتحول من موهبة يعرفها متابعو الدوري الفرنسي إلى اسم يتردد على ألسنة الصحافيين والمحللين والجماهير في مختلف أنحاء العالم، إذ بدا وكأنه لاعب مخضرم اعتاد هذه المواعيد الكبرى منذ أعوام.
وبينما انشغل كثر بهدف زميله المهاجم إسماعيل صيباري الذي منح" أسود الأطلس" التقدم وهدف فينيسيوس الذي أنقذ البرازيل من الخسارة، كان بوعدي يفرض نفسه باعتباره أحد أبرز عناوين المباراة.
إشادات عالمية واهتمام إعلامي واسعوجاءت الإشادات بمهارة وثقة بوعدي من كل اتجاه تقريباً، فالصحافة الفرنسية وصفته بـ" السوبر ستار" الجديد للمغرب، بينما تحدثت تقارير أخرى عن أداء" عملاق" للاعب خطف الأضواء من نجوم أكثر شهرة وخبرة.
وفي إنجلترا، ركزت التحليلات على الطريقة التي نجح بها في فرض إيقاعه على وسط الملعب وكشف هشاشة البرازيل في مناطق حيوية من المباراة.
وفي إسبانيا، عدت بعض التقارير أن العالم اكتشف أخيراً لاعباً كان مراقباً منذ أعوام داخل دوائر الكشافين وأندية الصف الأول.
النشأة والبدايات في فرنسالكن قصة بوعدي لم تبدأ في نيويورك، ولا حتى في ملاعب الدوري الفرنسي.
ولد بوعدي في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2007 بمدينة سينليس شمال فرنسا لعائلة مغربية حافظت على ارتباطها الوثيق بجذورها، ونشأ في بيئة كان التعليم فيها يحتل مكانة لا تقل أهمية عن كرة القدم.
منذ سنواته الأولى لفت الأنظار بقدراته الفنية، لكن الذين عرفوه عن قرب كانوا يتحدثون أيضاً عن جانب آخر في شخصيته لا يظهر دائماً داخل المستطيل الأخضر.
فبوعدي كان من المتفوقين دراسياً، وارتبط اسمه كثيراً بالرياضيات والمواد العلمية.
ومدربوه في المراحل السنية اعتادوا الإشادة بقدرته على التحليل والاستيعاب السريع للتفاصيل التكتيكية، حتى إن بعضهم شبه طريقة تفكيره داخل الملعب بلاعب شطرنج يحسب عدة خطوات مسبقاً قبل اتخاذ قراره.
ذكاء أكاديمي وشخصية قياديةهذا المزيج بين الذكاء الأكاديمي والموهبة الكروية جعل أكاديمية نادي ليل الفرنسي تنظر إليه مبكراً بوصفه مشروع لاعب استثنائي.
ولم يكن مفاجئاً أن يصبح أصغر لاعب يمثل الفريق الأول في مسابقات أوروبية كبرى، وأن يبدأ اسمه في الظهور على دفاتر كشافي أكبر أندية القارة.
إلى جانب تفوقه الدراسي، اشتهر بوعدي أيضاً بهدوئه اللافت وثقته أثناء الحديث أمام وسائل الإعلام.
وعلى رغم صغر سنه، غالباً ما بدت تصريحاته أقرب إلى لاعب قضى أعواماً طويلة في الملاعب الاحترافية، مما دفع كثراً في فرنسا إلى اعتباره أحد القادة المستقبليين سواء داخل الملعب أو خارجه.
حسم الاختيار بين المغرب وفرنساكل تلك الصفات جعلت الاتحاد الفرنسي لكرة القدم يتمسك بالأمل في رؤيته بقميص" الديوك" مستقبلاً، فقد مثَّل فرنسا في مختلف الفئات السنية، وكان يُنظر إليه باعتباره واحداً من أبرز مواهب جيله.
لكن في الجهة الأخرى، كان المغرب يتابع اللاعب منذ أعوام ضمن مشروع واسع لاستقطاب أصحاب الجنسيات المزدوجة.
الصراع لم يكن عادياً، ففرنسا كانت ترى فيه لاعباً قادراً على تمثيل المنتخب الأول خلال الأعوام المقبلة، بينما رأى المغرب فيه قطعة أساس ضمن الجيل الجديد الذي يسعى إلى البناء على الإنجاز التاريخي في كأس العالم 2022، وفي النهاية حسم بوعدي قراره لمصلحة المغرب.
ولم يخف بوعدي يوماً اعتزازه بأصوله المغربية، كما أن المشروع الرياضي الذي يقوده الاتحاد المغربي لعب دوراً مؤثراً في اختياره.
فبدلاً من الانتظار أعواماً طويلة وسط المنافسة الهائلة داخل المنتخب الفرنسي، وجد في المغرب فرصة للمشاركة في مشروع طموح يمنحه دوراً محورياً منذ سن مبكرة.
وساعدت تجارب لاعبين مثل أشرف حكيمي وإبراهيم دياز في ترسيخ قناعته بأن المنتخب المغربي أصبح وجهة قادرة على المنافسة مع كبار العالم وليس مجرد خيار عاطفي مرتبط بالجذور.
صراع الأندية الكبرى على الجوهرة المغربيةواليوم وبعد الأداء الذي قدمه أمام البرازيل، لم يعد الحديث يدور حول ما إذا كان بوعدي يمتلك موهبة استثنائية، بل حول سؤال من سيكون النادي القادر على إقناع ليل بالتخلي عنه؟أرسنال وباريس سان جيرمان وليفربول ومانشستر يونايتد وبايرن ميونيخ جميعها تتابع اللاعب بدرجات متفاوتة، فيما تتحدث تقارير فرنسية عن أن قيمته السوقية قد ترتفع من 50 مليون يورو (57.
84 مليون دولار) و80 مليون يورو (92.
55 مليون دولار) إلى مستويات غير مسبوقة بالنسبة إلى لاعب لم يتجاوز الـ18 من عمره.
لكن مهما تكن وجهته المقبلة، فإن ما حدث أمام البرازيل قد يكون اللحظة التي انتقل فيها أيوب بوعدي من خانة الموهبة الواعدة إلى خانة النجم العالمي المنتظر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك