قررت جامعة باريس سيتي سحب درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم من الفيزيائي والمبسط العلمي الفرنسي إتيان كلاين، أحد أشهر الأصوات الإعلامية في تبسيط الفيزياء وفلسفة العلوم في فرنسا، بعد تحقيق طويل في اتهامات بانتحال واسع داخل أطروحته الجامعية التي نوقشت عام 1999.
القضية هذه المرة تتعلق بشخصية عامة ارتبط حضورها لعقود بشرح العلم للجمهور، والحديث عن أينشتاين، والزمن، والفيزياء الحديثة، والعلاقة بين المعرفة والشك، لذلك بدا القرار صادما لكثيرين لأن المعني بالأمر هو واحد من الوجوه التي صنعت صورة" العالم المثقف" في الإعلام الفرنسي.
بدأت القصة في أغسطس/آب 2024، حين نشر موقع" أريه سور إيماجيه" تحقيقا حول أطروحة كلاين، مشيرا إلى وجود مقاطع منقولة أو منسوخة بلا إسناد واضح في أجزاء واسعة من العمل.
وقد نوقشت الأطروحة في جامعة باريس ديدرو، التي أصبحت لاحقا جزءا من جامعة باريس سيتي، وكانت بعنوان يدور حول" مسألة الوحدة في الفيزياء"، ثم نشر العمل لاحقا في كتاب تحت عنوان" وحدة الفيزياء".
كانت أطروحة كلاين تدور حول سؤال فلسفي كبير في قلب الفيزياء الحديثة وهو: هل يمكن النظر إلى الفيزياء بوصفها علما واحدًا متماسكا، أم أنها مجموعة نظريات ناجحة لكنها متجاورة؟فمنذ نيوتن وماكسويل وأينشتاين، يحمل تاريخ الفيزياء ميلًا دائمًا إلى" التوحيد"، أي جمع ظواهر تبدو متفرقة تحت قانون أو إطار نظري واحد، مثل توحيد الكهرباء والمغناطيسية، أو ربط المكان بالزمان، أو محاولة الجمع بين القوى الأساسية في نظرية أوسع.
بهذا المعنى، لم تكن الرسالة بحثا تجريبيا فيزيائيا، بل تأملا، في خليط من الفيزياء والفلسفة، في معنى وحدة الفيزياء نفسها، وتتسع أهمية الموضوع لأنه يلامس واحدة من أكثر أفكار القرن العشرين جاذبية وخطورة في آن واحد، وهي" نظرية كل شيء"، التي تحاول ربط أكبر نظريتين في الفيزياء تحت إطار واحد، الأولى هي النسبية العامة، والثانية هي الميكانيكا الكمومية.
في البداية، تحدث التحقيق الصحفي عن مقاطع منتحلة في 88 صفحة من أصل 429 صفحة من النص المنشور المأخوذ عن الأطروحة، أي ما يزيد قليلا على 20% من الصفحات.
لكن التحقيق الجامعي اللاحق، الذي استمر نحو 20 شهرا، انتهى إلى نتيجة أوسع، تقول بوجود وجود نسخ ولصق في نحو ثلثي صفحات الأطروحة.
لم تكتف جامعة باريس سيتي بتسجيل المخالفة، بل اتخذت عقوبة استثنائية بسحب الدكتوراه من كلاين، ومعها منعه من إعادة التسجيل في الدكتوراه.
وقد أبلغته الجامعة بالعقوبة في أوائل يونيو/حزيران 2026.
أما رد كلاين، فلم يكن إنكارا كاملا للوقائع.
فقد أقر بأنه انتهك بعض القواعد، واعتذر عن أخطاء في الإسناد، لكنه حاول وضع الأمر في سياق زمني ومهني، مشيرا إلى أنه كان في ذلك الوقت أقل وعيا بدقة قواعد الاقتباس والإحالة، وبأن بعض الممارسات التي تبدو اليوم غير مقبولة ربما لم تكن تعامل بنفس الصرامة في نهاية التسعينيات.
غير أن هذا الدفاع لا يغير جوهر المسألة بالنسبة للجامعة، فالدكتوراه ليست كتابا عاديا ولا مقالة رأي، بل وثيقة تأسيسية تمنح صاحبها صفة الباحث المستقل، وتفترض حدا عاليا من الأصالة والدقة والنزاهة.
وليست هذه أول مرة يواجه فيها كلاين اتهامات بالانتحال.
ففي عام 2016، كشفت وسائل إعلام فرنسية اتهامات بنقل عبارات ومقاطع من كتاب ومفكرين وأدباء وعلماء من دون إسناد كاف، بينهم أسماء مثل بول فاليري وغاستون باشلار وإميل زولا وستيفان تسفايغ.
وقد أدت تلك القضية لاحقا إلى إنهاء مهامه كرئيس لمجلس إدارة معهد الدراسات العليا للعلوم والتكنولوجيا بمرسوم رئاسي عام 2017.
لذلك يأتي قرار سحب الدكتوراه في 2026 لا كحادثة منفصلة تماما، بل كفصل جديد في تاريخ أطول من الجدل حول علاقة كلاين بالنقل والاقتباس وإعادة استخدام النصوص.
الأهمية الكبرى في القضية أنها تضع مفهوم" الانتحال" خارج التصور الساذج الذي يحصره في طالب ينسخ فقرة من الإنترنت.
الانتحال في العمل الأكاديمي قد يكون نسخا مباشرا، أو إعادة صياغة قريبة، أو استعارة أفكار وبناء حجاجي من دون إسناد، أو استخدام نصوص الآخرين كما لو كانت جزءا من صوت الباحث الخاص.
وفي كل هذه الحالات، لا يكون الضرر متعلقا فقط بحقوق المؤلف الأصلي، بل بنظام الثقة الذي يقوم عليه البحث العلمي كله.
الأصل في طريقة عمل العلم هي وجود آليات تحقق ومراجعة ونسب، كل فكرة يجب أن يعرف القارئ من أين جاءت، وكل اقتباس يجب أن يكون مرئيا، وكل مساهمة يجب أن توضع في سياقها.
وحين تطمس الحدود بين ما كتبه الباحث وما أخذه من غيره، يصبح القارئ أمام نص غير شفاف، لا يعرف ما الذي أضافه صاحبه، وما الذي استعاره، وما الذي نقله، وما الذي أعاد تدويره.
تأتي الحادثة كذلك في سياق أوسع، وأهم، وهو أن الغش العلمي اليوم لم يعد مجرد حالات فردية متفرقة لباحث ينسخ فقرة أو يزور رقما في جدول، بل تحول في بعض المجالات إلى صناعة شبه منظمة.
فهناك" مصانع أوراق" تبيع أبحاثا جاهزة أو شبه جاهزة، وتدبر أسماء مؤلفين، وتقترح مجلات للنشر، وأحيانا تتلاعب بعملية التحكيم نفسها.
ومع ضغط الجامعات على الباحثين للنشر المستمر، وارتباط الترقيات والتمويل بعدد الأوراق المنشورة.
وتكشف أرقام السحوبات العلمية حجم الأزمة.
ففي عام 2023 وحده سحب أكثر من 10 آلاف بحث علمي من المجلات، وهو رقم قياسي غير موق، وكان جزء كبير من هذه الموجة مرتبطا بأبحاث مشبوهة ومصانع أوراق.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن العلم صار فاسدا كله، بل يعني أن منظومة النشر أصبحت أضخم وأسرع وأكثر قابلية للاختراق، وفي الوقت نفسه أصبحت أدوات الكشف أقوى، من برامج مقارنة النصوص، إلى قواعد بيانات السحب، إلى تدقيق الصور، ومجتمعات الباحثين الذين يراجعون الأوراق المنشورة علنا.
خطورة الغش العلمي أنه لا يبقى حبيس المجلات، فالورقة المزيفة قد تدخل مراجعة منهجية، أو تُستخدم لتوجيه تجربة سريرية، أو يستند إليها صحفي أو سياسي أو شركة دواء، ثم تنتقل من الهامش الأكاديمي إلى قرارات تمس حياة الناس.
لهذا تبدو قضية إتيان كلاين، رغم خصوصيتها، جزءا من سؤال أكبر عن حماية الثقة في العلم، والإجابة لا تكون بتقديس العلماء ولا بإسقاط هيبة العلم، بل ببناء مؤسسات أكثر شفافية، ومراجعة أكثر صرامة، وثقافة تعترف بأن المعرفة لا تقاس بعدد المنشورات وحده، بل بنزاهة الطريق الذي جاءت منه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك