يبدو أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أصبح أقرب من أي وقت مضى.
وإسرائيل ليست طرفا في الاتفاق، أو بالأحرى، هي جزء من الترتيبات التي تحدد ما يجوز وما لا يجوز فيما يتعلق باستمرار عملها في لبنان وفي مواجهة إيران.
ومرة أخرى، وبسبب فشل القيادة السياسية، لم تنجح إسرائيل في التأثير في مضامين الاتفاق.
اضافة اعلانظاهريا، يبدو أن المشروع النووي الإيراني لم يُلغَ، وأن اليورانيوم المخصب، كليا أو جزئيا، سيبقى في حوزة إيران.
كما ستبقى منظومة الصواريخ الباليستية، بل ستتوسع وتتطور.
أما الوكلاء، مثل الحوثيين وحماس في غزة، وبالطبع حزب الله، فمن المرجح أن يتلقوا" حقن أكسجين" مالية، إذ ستُفرج عن أموال إيرانية مجمدة، وهي أموال ضخمة.
وإذا لم يكن ذلك كافيا، فإن إيران ستستأنف إنتاج النفط بكميات كبيرة، وهو ما سيسهم أيضا في دعم روسيا والصين.
باختصار، لدينا كل الأسباب التي تدفعنا إلى النظر في المرآة والقول: كم خرجنا خاسرين من حرب" زئير الأسد"، التي انتهت، في أقصى الأحوال، بمواء قط.
إنه فشل ذريع، وانهيار حقيقي.
فإيران هي المنتصر الأكبر بلا جدال.
فقد حصلت على موطئ قدم في لبنان، وستنال اعترافا بسيادتها في مضيق هرمز، وستستعيد أموالها المجمدة، وستعود لتكون الدولة الأقوى في الخليج العربي والشرق الأوسط.
وعندما تقرر مهاجمة جيرانها بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فلن تكون هناك قوة عسكرية تواجهها.
لقد أنهت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب باستعراض مبهر للقوة العسكرية، لكنهما فعلتا ذلك وهما تجران أذيال الخيبة.
ويجب أن نعترف بأن الإيرانيين كانوا أكثر ذكاء بقليل من القيادة الإسرائيلية، كما أثبت الحرس الثوري الإيراني أنه قادر، من خلال خطوات بسيطة، على استعادة قوته بصورة أكبر.
أما القوة الأميركية، فهي موجهة الآن نحو دعم شريكتها إسرائيل.
وفي لبنان، لا يبدو وضع إسرائيل أفضل في ضوء الاتفاق الجاري التوصل إليه.
فالسؤال ليس ما إذا كان حزب الله سيواصل نشاطه، بل ما حجم التفويض الذي مُنح لإسرائيل لمنع التنظيم من إعادة بناء نفسه.
فعلى مدى العقدين الماضيين، ساعد الإيرانيون في بناء مدن تحت الأرض في غزة وجنوب لبنان، تضم مخازن ضخمة للصواريخ والأسلحة والألغام والصواريخ المضادة للدروع ومنظومات الدفاع الجوي وغرف القيادة، بل وحتى المستشفيات.
وينشغل مقاتلو سلاح الهندسة القتالية بتفجير تلك المدن في جنوب لبنان، مع التركيز على سلسلة جبال علي الطاهر.
ومن المعقول الافتراض أن مدينة مماثلة تقع أيضا تحت مدينة النبطية، إلا أن الجيش الإسرائيلي لم يصل إليها بعد، ومن المشكوك فيه أن يفعل.
ومن المتوقع أن يُخصص جزء من الأموال الضخمة التي ستتلقاها إيران قريبا لإعادة بناء تلك المدن.
وهذه المرة ستكون أكبر حجما، وأكثر تحصينا، وأشد فتكا.
ووفقا للاتفاق، قد لا يكون أمام إسرائيل سوى مراقبة عمليات البناء وإعادة البناء، مكتفية بردود فعل محدودة بعد الحرب.
وفي أي دولة مستقرة، كان ينبغي للمستوى السياسي، وعلى رأسه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن يقف أمام الأمة ورأسه مطأطأ، ليقول: " لقد فشلت، وحتى أقرب أصدقائنا لم يعد يأبه بنا.
ولا أعرف كيف أُسهم في ترسيخ مكانة إسرائيل.
"لكن هذه ليست دولة طبيعية؛ إنها إسرائيل.
فمنذ نحو ثلاث سنوات، يغيب الأمن الحقيقي.
وهناك جيش ينتقل من جبهة إلى أخرى، مستنزفا قدراته إلى حد كبير.
كما لم تعد الشرطة تؤدي دورها المهني، بل أصبحت ذراعا سياسية للائتلاف الحاكم.
فهي لم تعتقل مشاغبا حريديا واحدا أثناء إغلاق الطرق يوم الخميس، لكنها سارعت إلى توقيف مواطنين شاركوا في مسيرة الفخر وهم يرتدون قمصانا تحمل شعارا معارضا لوزير ينتمي إلى تيار يوصف بأنه امتداد لحركة" كاخ" العنصرية.
وهي إسرائيل التي تخلت عن آلاف سكان الشمال وتركتهم لمصيرهم، لأنهم، في نظر منتقدي الحكومة، لا يملكون القدرة على تغيير خريطة التصويت في الانتخابات المقبلة.
ويضاف إلى ذلك غياب العدالة في توزيع أموال الدولة على قطاعات لا تسهم في الأمن أو الاقتصاد، رغم أن كليهما يمثلان عنصرا حيويا في ظل أزمة أمنية معقدة.
وتبقى إسرائيل، وفق هذا الطرح، ملزمة بالخروج من العزلة السياسية التي وجدت نفسها فيها نتيجة سياسات حكومية متشددة، ولا سيما فيما يتعلق بما يجري في الضفة الغربية، مع التركيز على أعمال" فتيان التلال" وعنف المستوطنين المتطرفين.
كما يتعين عليها أن تحدد بوضوح خطوطها الحمراء تجاه إيران وحزب الله في لبنان، وأن تعلن بصورة أحادية كيف ستتصرف في حال وقوع أي خرق.
وعليها كذلك أن تنشط سياسيا عبر عدة مسارات؛ أولها التوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية وتوسيع اتفاقيات إبراهيم، وإعادة بناء شبكة علاقاتها مع القوى الحزبية ومراكز النفوذ والرأي العام في الولايات المتحدة، بما في ذلك داخل الحزب الديمقراطي، وبالتوازي مع ذلك، تعزيز علاقاتها مع الدول الأوروبية الرئيسة، ومنها ألمانيا وإيطاليا وإنجلترا وغيرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك