حين تقرّ حكومة زيادة مالية محدودة، فإنها لا تتخذ قراراً مالياً فحسب، بل تُفصح غالباً من حيث لا تقصد عن قراءتها الخاصة لواقع اجتماعي ظلّت تتحفظ عن توصيفه علناً.
وهذا تحديداً ما تنطوي عليه الزيادة المقررة بمقدار ثلاثين ديناراً اعتباراً من مطلع عام 2027 لمن تقلّ رواتبهم عن ستمئة دينار.
فالقرار، في ظاهره إجراء دعم موجّه لذوي الدخل المحدود.
أما في عمقه، فهو لحظة مكاشفة ضمنية: إذ إن تحديد سقف بعينه يفصل بين من يستحق الدعم ومن لا يستحقه ليس رقماً اعتباطياً، بل هو في جوهره اعتراف غير معلن بخط فقر تتجنب الحكومات المتعاقبة -منذ ما يقارب عقداً من الزمن- تثبيته رسمياً.
تكمن المفارقة في أن الدولة التي تمتنع عن إعلان خط الفقر تجد نفسها مضطرة عند تصميم أي سياسة دعم موجّه، إلى رسم خط ما.
فالدعم الانتقائي يقوم بطبيعته على معيار فرز؛ من هو داخل دائرة الاستحقاق ومن هو خارجها.
وحين تُحدد عتبة الـ 600 دينار حداً فاصلاً، فإن هذا الحد يحمل ضمناً تقديراً حكومياً لمستوى الدخل الذي يُعد ما دونه هشاً أو غير كاف.
بهذا المعنى، يتحّل القرار التنفيذي إلى وثيقة تكشف ما تتحفظ عنه الوثائق الرسمية.
إن جوهر الإشكالية ليس في الزيادة ذاتها، بل في الفجوة بين ما تقوله السياسات وما تخفيه الأرقام المعلنة.
فالامتناع عن إعلان خط الفقر طوال هذه السنوات قدم عادة باعتباره مسألة منهجية تتعلق بتعقيد القياس وتعدد منهجياته.
غير أن إقرار عتبة عملية للدعم يكشف أن الدولة تملك في واقع الحال تصوراً تشغيلياً عن الحد الأدنى المقبول للدخل، حتى وإن لم تُفصح عنه بوصفه خطاً للفقر.
والمسافة بين القدرة على التقدير والامتناع عن الإعلان هي، في التحليل الأخير، مسافة حوكمة ومساءلة، لا مسافة قياس إحصائي.
لفهم الإحجام المستمر عن إعلان خط الفقر، ينبغي النظر إليه باعتباره خياراً في إدارة المخاطر السياسية لا قصوراً تقنياً.
فإعلان رقم رسمي لخط الفقر يُنشئ التزاماً قابلاً للقياس: يصبح ممكناً عندئذٍ احتساب نسبة الفقر بدقة، وتتبّع تطوّرها زمنياً، ومحاسبة الأداء الحكومي على أساسها.
بعبارة أوضح، يتحوّل الرقم من معطىً وصفي إلى أداة مساءلة.
هنا تتجلى المعادلة الأعمق: الغموض يمنح مساحة للمناورة، بينما يفرض الوضوح مسؤولية.
فحين يبقى خط الفقر غير معلَن، تظل النقاشات حول مستويات المعيشة محصورة في تقديرات متنازع عليها، ويصعب تثبيت مرجعية واحدة تقاس عليها فاعلية البرامج الاجتماعية.
أما إعلانه فيعني قبول الخضوع لاختبار متجدد: هل ارتفعت نسبة من هم تحت الخط أم انخفضت؟ وهذا النوع من الالتزام المكشوف هو ما تتحاشاه الإدارات التي تفضّل إبقاء معايير الحكم على أدائها مرنة وقابلة للتأويل.
غير أن هذا الخيار، وإن بدا حصيفاً على المدى القصير، ينطوي على كلفة مؤسسية متراكمة.
فالحوكمة الرشيدة لا تبنى على إدارة الغموض، بل على القدرة على تحمل نتائج الشفافية.
والامتناع عن تثبيت مرجعية معلنة يضعف، مع الوقت، قدرة الدولة نفسها على تصميم سياسات متماسكة، إذ تبقى تتحرك من دون بوصلة معلنة تربط القرارات الجزئية بهدف كلي.
ثمة بُعد ثالث يستحق التأمل، يتعلق بطبيعة التدخل نفسه.
فالزيادة الموجهة لشريحة دون أخرى، استناداً إلى عتبة دخل صارمة، تنتج ما يمكن تسميته بـ" حافة الاستحقاق": إذ يجد من يتجاوز دخلهم الحد بقليل أنفسهم خارج دائرة الدعم رغم تقارب ظروفهم المعيشية مع من هم داخلها.
وهذه ليست ثغرة في التنفيذ بقدر ما هي نتيجة منطقية لغياب إطار مرجعي معلن يبنى عليه التدرج في الاستحقاق بدلاً من القطع الحاد عنده.
المسألة، في جوهرها، تتجاوز عدالة توزيع ثلاثين ديناراً إلى سؤال أعمق حول اتساق السياسة الاجتماعية.
فالتدخلات المتفرقة -زيادة هنا، إعفاء هناك، دعم موجّه في موضع ثالث- قد تخفف الضغط الآني، لكنها لا تراكم أثراً بنيوياً ما لم تنتظم داخل تصور متكامل يبدأ من تعريف واضح للفقر، ويمر بقياس دوري معلن، وينتهي إلى تقييم صريح للأثر.
والقرار الراهن، بوصفه استجابة لضغط معيشي واقعي، يبقى محدود الأفق ما دام منفصلاً عن هذا الإطار الأشمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك