في إحدى الأمسيات الشعرية القديمة، اقتربت مني شابة تحمل ديوانًا مهترئًا من كثرة القراءة كما يبدو.
قالت إن كلمة قرأتها قبل سنوات في إحدى قصائدي منعتها من الاستسلام ليأس كانت تعيشه آنذاك.
وقفت لحظتها حائرة أمام هذه الجملة القصيرة؛ لأنني لا أذكر حتى المناسبة التي كتبت فيها ذلك النص.
عدت إلى المنزل وأنا أفكر في المصير الغريب للكلمات، وفي الطرق التي تسلكها بعيدًا عن أصحابها، وفي الأثر الذي قد تتركه من غير أن ينتبه كاتبها إلى حجم ما فعلت.
ثمة أشياء صغيرة تبدو عابرة حين تُقال أو تُفعل، لكنها تظل واقفة في مكان ما من الذاكرة، كأنها تعرف طريقها جيدًا إلى القلوب التي لا تنساها.
كلمة تُقال في لحظة انكسار، ويد تمتد من غير حساب، وموقف يمر بهدوء من دون أن يطلب اعترافًا أو شكرًا، ثم يترك خلفه شيئًا يشبه الضوء الخافت الذي يهدي العابرين في المسافة الطويلة بين الناس.
ما يُزرع في الآخرين لا يتوقف عند لحظة فعله، ولا ينتهي عند حدود رد الفعل المباشر.
هناك أثر يتسلل بصمت، ويكبر ببطء، ويأخذ أشكالًا لا يمكن التنبؤ بها.
قد يتحول إلى طمأنينة تعود في وقت متأخر، أو إلى شجاعة تتشكل في قلب كان مترددًا، أو إلى ذاكرة تُستدعى كلما ضاق العالم بمن فيه.
وهكذا يبدو أن ما يُقدَّم بصدق لا يضيع، حتى وإن غاب صاحبه أو ابتعدت خطاه.
تتسع الحياة لتجارب كثيرة، غير أن ما يبقى منها ليس دائمًا الأحداث الكبرى، بل تلك اللحظات التي مرّت خفيفة لكنها تركت أثرها الثقيل في الداخل.
إن أثر الكلمة الطيبة، حين تُقال في لحظة مناسبة، يشبه يدًا تفتح نافذة في جدار مغلق، فيدخل منها هواء مختلف يعيد ترتيب الداخل على نحو لا يمكن نسيانه.
وكذلك الفعل النبيل، حين يحدث من دون انتظار مقابل، يظل كأنه وعد غير مكتوب بالإنسانية الممكنة بين الجميع.
وفي كثير من الأحيان لا يدرك صاحب العطاء حجم ما يتركه خلفه.
يظن أن الموقف انتهى بانتهائه، وأن الكلمة سقطت في مكانها وانطفأت، غير أن ما لا يُرى هو ما يعمل بهدوء في مسارات الآخرين.
هناك من يستعيد تلك اللحظة بعد سنوات طويلة، فيجد نفسه مدينًا لها بتغيير لم يكن يتوقعه، أو بقرار لم يكن ليجرؤ عليه لولا ذلك الأثر البعيد الذي ظل يعمل في العمق.
وتتعدد صور هذا الأثر بين العلاقات اليومية البسيطة، وبين المواقف التي تمر سريعًا في محطات الحياة.
قد تكون ابتسامة عابرة في مكان مزدحم، أو نصيحة قصيرة قيلت في وقتها المناسب، أو موقف إنساني لم يُعلن عن نفسه لكنه ظل حاضرًا في الذاكرة.
وكلها تشكل في النهاية شبكة غير مرئية من الامتداد الإنساني الذي يربط الناس بعضهم ببعض من دون اتفاق مسبق.
ولعل الأجمل في هذا كله أن الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى شهود، ولا يطلب توثيقًا أو اعترافًا.
يكفي أنه يستمر في العمل داخل الآخرين، ويعيد تشكيل بعض مواقفهم، ويمنحهم قدرة على الاستمرار حين تتعثر الخطى.
وهنا يتضح أن قيمة الفعل لا تُقاس بوقته، بل بما يخلّفه من امتداد يتجاوز صاحبه.
هناك ما يشبه السلسلة غير المنقطعة من الأفعال الصغيرة التي تتناقلها الأرواح عبر الزمن.
فعل بسيط يُلهم فعلًا آخر، وكلمة صادقة تفتح بابًا جديدًا في قلب متردد، وموقف إنساني يتحول لاحقًا إلى طريقة في النظر إلى الحياة.
وكأن الخير حين يُمارس بصدق لا يتوقف عند حدود فاعله، بل يتحرك ليصنع ما يشبه الدائرة التي تتسع كلما تحركت.
نعم.
لا يبقى من الحكاية إلا ذلك الأثر الذي يواصل سيره بهدوء، ويعيد تعريف معنى الحضور الإنساني بعيدًا عن الأضواء والاعترافات.
أثر لا يُرى لكنه يُحس، ولا يُعلن لكنه يعمل، ويكفيه أنه يواصل إشعال شيء من الدفء في طرق الآخرين، حتى بعد أن يغيب الذين بدأوه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك