تُمثل إدانتي شخصيا في 29 أبريل/نيسان أمام محكمة استئناف مدينة إيكس أون بروفانس (غرامة قدرها 17 ألف يورو، نحو 18.
5 ألف دولار) وتعويضات للجمعيات الصهيونية التي كانت أطرافا مدنية في القضية)، مثالا واضحا على التطور المقلق في تعامل القضاء الفرنسي مع القضية الفلسطينية، وقد أعود إلى هذا الموضوع يوما ما.
وتستحق قضية أخرى مزيدا من الاهتمام اليوم؛ لما تنطوي عليه من دلالة وكشف، ولصعوبة تشويهها، وقبل كل شيء، لكونها تسلط الضوء على تحول عميق في نهج النظام القضائي الفرنسي تجاه فلسطين؛ ففي مارس/آذار 2024، أيدت الدائرة الجنائية في محكمة النقض، وهي أعلى محكمة في النظام القضائي الفرنسي، إدانة محمد مقني، وهو رجل أعمال وأب ونائب رئيس بلدية إيشيرول.
ولم تتجاوز العبارة التي نسبت إليه جملة واحدة، إذ قال: " إنهم يسارعون إلى وصف ما حدث بالإرهاب، بينما نراه نحن عملا واضحا من أعمال المقاومة".
ولم يصدر هذا التصريح عن قائد عسكري فلسطيني، ولا عن مسؤول في حماس، بل جاء اقتباسا لكلمات أحمد أونيس، وزير الخارجية التونسي الأسبق (وسفير نظام الرئيس زين العابدين بن علي الأسبق لدى روسيا والهند)، وهو شخصية بعيدة كل البعد عن أي خطاب ثوري.
وقد حُكم على محمد مقني، بسبب استشهاده بهذا التحليل السياسي، بالسجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ، وتم منعه من تولي أي منصب عام لمدة أربعة أشهر، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف، ثم محكمة النقض، في قرار لا يمكن اعتباره عاديا بأي حال.
وتدخلت أعلى محكمة في فرنسا، للمرة الأولى منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بشكل مباشر في المعركة السياسية والقانونية الدائرة حول تصنيف المقاومة الفلسطينية؛ إذ يتمركز جوهر القضية على مدى أكثر من قرن حول سؤال جوهري: هل لشعب يرزح تحت احتلال عسكري طويل الأمد الحق في المقاومة؟وفي حين يجيب القانون الدولي بالإيجاب، ويشاطره في ذلك جزء كبير من العالم العربي والأفريقي والآسيوي واللاتيني؛ يبدو أن فرنسا الرسمية تجيب الآن بشكل مختلف، فلا تعاقب إدانة محمد مقني على التحريض على القتل أو ارتكاب الهجمات، بل تعاقب على مجرد الربط بين الاحتلال والمقاومة، وتجرّم بعبارة أخرى إطارا سياسيا مشتركا يتجاوز بكثير مؤيدي حماس.
قدمت محكمة النقض إجابة مقلقة، تدفع إلى الاعتقاد بأن المحاكم الفرنسية لا تعمل حاليا تحت تأثير الحكومة فحسب، بل إن الحكومة نفسها تعمل تحت تأثير أجنبيولم ينشأ هذا التطور تلقائيا؛ فبعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اختارت الحكومة الفرنسية استخدام تهمة تمجيد الإرهاب كأداة رئيسية لضبط النقاش العام حول فلسطين، وتغيرت وظيفة هذه التهمة تدريجيا بعد أن وضعت في الأصل لمكافحة دعاية تنظيم الدولة وتجنيد الجهاديين، لتتحول إلى وسيلة لضبط الخطاب الذي يرفض فصل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول عن سياقها التاريخي، حيث يكمن جوهر الخلاف.
وتفرض السردية المهيمنة لدى النخب الغربية اعتبار 7 أكتوبر/تشرين الأول حدثا مستقلا، منفصلا عن أي تاريخ سابق؛ بينما يراه غالبية العالم جزءا من سيرورة تاريخية تتسم بالاحتلال والاستعمار والتهجير القسري والإنكار المستمر للحقوق الوطنية الفلسطينية، وهو التفسير الثاني الذي يخضع الآن بشكل متزايد للرقابة القضائية.
وتتجاوز تداعيات قضية مقني بكثير شخصه؛ إذ يعدّ تجريم أي محاولة للربط بين الأعمال المرتكبة في إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومطالب المقاومة صفعة حقيقية، لا تقتصر فقط على جميع المواطنين الفرنسيين من أصول أجنبية الذين اختاروا طريق الاندماج الجمهوري، بل تمتد لجميع النخب السياسية العربية، وبشكل أوسع، لنخب الجنوب العالمي الذين يتبنون تفسير وزير الخارجية التونسي، السفير السابق لزين العابدين بن علي، الذي يختلف خطابه جذريا حول هذه الفكرة عما يصدره الحوثيون من بيانات وخطابات في اليمن.
ويحمل هذا الأمر، في نهاية المطاف، إهانة واضحة لفكر أبرز السياسيين الفرنسيين؛ ففي عام 1967، أقر الجنرال ديغول، كما نكرر مرارا صراحة هذه الصلة بين الحق في مقاومة الاحتلال غير القانوني، وميل المستعمر إلى وصف هذه المقاومة بـ" الإرهاب".
وتهمّ قضية مقني، بناء على ذلك، كل من يرفض السماح باستبعاد فلسطين من القواعد العامة للتاريخ، كما تهم كل من لا يزال يعتقد أن مفاهيم الاستعمار والاحتلال والمقاومة لا تزال قائمة عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني، وتسترعي انتباه جميع أولئك الذين يرفضون تحويل النقاش السياسي إلى قضية جنائية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه هذا الحكم القضائي بسيطا: هل لا يزال بإمكان المرء، في فرنسا، الإشارة إلى أن الاحتلال يولد المقاومة دون أن يتهم بتمجيد الإرهاب؟ وقد قدمت محكمة النقض إجابة مقلقة، تدفع إلى الاعتقاد بأن المحاكم الفرنسية لا تعمل حاليا تحت تأثير الحكومة فحسب، بل إن الحكومة نفسها تعمل تحت تأثير أجنبي؛ ولذا تحديدا، تستحق هذه القضية أن تُعرف ويتم التنديد بها على نطاق واسع خارج حدود فرنسا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك