خبرني - تجرف أمواج المحيط الهادئ كل عدة أعوام، ومنها هذا العام، ملايين الكتل الطرية ذات اللون الأزرق اللامع نحو اليابسة، لتصنع مشهدا بصريا لافتا يتكرر كلما توافرت ظروف بحرية معينة، ترافقه رائحة نفاذة تشبه رائحة الأسماك المتعفنة، على امتداد الساحل الغربي للولايات المتحدة.
ومن بعيد، تبدو بعض الشواطئ وكأنها اكتست بطبقة زرقاء تمتد على الرمال.
هذه الكائنات التي تتميز بألوانها المتلألئة وانعكاساتها القزحية، وبأجسامها الهلامية المسطحة ومظهرها الذي يبدو قادما من عالم آخر، تُعرف باسم" بحارة الرياح" (By-the-Wind Sailor)، وهي كائنات بيضاوية الشكل لا يتجاوز طول الواحد 10 سنتيمترات، وتتدلى من أطرافها لوامس لاسعة دقيقة.
وقد اكتسبت هذه التسمية بسبب الزعانف الشبيهة بالأشرعة الصغيرة التي تعلو أجسامها، والتي تمكنها من التقاط هبات الرياح والانجراف عبر سطح المحيط دون قدرة حقيقية على التحكم بمسارها، لكن هذه الأشرعة نفسها تفقد فائدتها عندما تنتهي رحلتها عالقة بالآلاف على الشواطئ، كما حدث مؤخرا على امتداد شواطئ ولايات كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن، ووثقه المهتمون بالطبيعة والمارة على حد سواء.
قد تبدو هذه الكائنات البحرية اللاحمة -المعروفة علميا باسم" فيليللا فيليللا"، المشتق من الكلمة اللاتينية" vēlum" التي تعني" شراع" – مشابهة في مظهرها لقناديل البحر، لكنها ليست قناديل بحر حقيقية، بل ترتبط بها ارتباطا وثيقا من الناحية التصنيفية، ويطلق عليها الباحثون لقب" أبناء عم قناديل البحر"، وتعد في الحقيقة نوعا من العوالق الحيوانية، وتعيش في الظروف الطبيعية بالقرب من سطح المحيط.
وكما هو الحال مع قريبها المعروف باسم" رجل الحرب البرتغالي"، الذي يشبه ظاهريا قنديل البحر أيضا، فإن كل فرد من" بحارة الرياح" ليس كائنا منفردا، بل مستعمرة كاملة مكونة من آلاف الكائنات المتطابقة وراثيا، تُعرف باسم الزويدات.
وتعمل هذه الزويدات بتنسيق كامل ضمن منظومة دقيقة تؤدي وظائف متخصصة، فبعضها مسؤول عن اصطياد الفرائس عبر الخلايا اللاسعة، وغالبا ما تكون فرائسها من القشريات العوالقية الدقيقة، ويتولى البعض الآخر مسؤولية هضم الغذاء، وتؤدي أخرى وظيفة التكاثر وإنتاج مستعمرات جديدة قد تتراكم في بعض المواقع إلى سماكات تصل إلى عدة سنتيمترات.
ولا يقتصر دور هذه الكائنات على غرابة شكلها وألوانها الزرقاء السماوية التي تساعد على تمويهها داخل المياه، بل تمثل عنصرا غذائيا مهما في النظام البيئي البحري، إذ تتغذى عليها حيوانات أكبر حجما مثل السلاحف البحرية وسمكة الشمس المحيطية (Mola mola)، كما توفر الغذاء لعدد من الكائنات، منها الأسماك والقواقع والرخويات البحرية.
وعندما تصل هذه الكائنات إلى الشاطئ، تنتقل معها أيضا كميات من الكربون والنيتروجين والعناصر الغذائية المخزنة داخل أجسامها، لكن التأثير الدقيق لهذا الانتقال على النظام البيئي ما يزال غير واضح.
الجنوح الجماعي نحو الشاطئتظهر" بحارة الرياح" عادة بالقرب من شواطئ الساحل الهادئ مع حلول كل ربيع في حدث يتكرر منذ ملايين السنين، لكنها لا تتحول عادة إلى حدث لافت إلا عندما تتضافر الظروف البيئية وتدفعها إلى اليابسة بأعداد هائلة.
ووفقا لعالمة البيئة البحرية والأستاذة في كلية علوم الأحياء المائية ومصايد الأسماك بجامعة واشنطن، جوليا باريش، فإن" وصول هذه الكائنات إلى الشاطئ ليس حدثا استثنائيا بقدر ما هو جزء من آلية انتشارها وحركتها في المحيط، إذ تميل إلى التجمع في كتل هائلة فوق سطح البحر، ثم تنجرف بشكل جماعي نحو الساحل، ما يؤدي إلى تشكل ظواهر تُعرف بالتكاثر الكثيف والجنوح الجماعي على امتداد مساحات واسعة من الشاطئ".
وخلال هذا العام، بلغت الأعداد مستويات غير معتادة، وسُجل ظهورها على سواحل ولايتي واشنطن وأوريغون، لكن النسبة الأكبر من المشاهدات كانت حتى الآن في كاليفورنيا، حتى إن شواطئ منطقة خليج سان فرانسيسكو بدت زرقاء اللون عند النظر إليها من بعيد.
وعلى اليابسة، لا تُعد هذه الكائنات مصدر خطر حقيقي على البشر في معظم الحالات رغم امتلاكها لوامس لاسعة تسخدمها لاصطياد فرائسها.
ومن غير المرجح أن تلسع من يلتقطها من الشراع العلوي، لكنها قد تجعل المشي على الشاطئ أكثر صعوبة بسبب الأسطح الزلقة التي تخلفها.
لذلك يُنصح الزوار بإبعاد الأطفال الصغار والحيوانات الأليفة عنها، إذ قد تسبب تهيجا في الفم والعينين ومشكلات طفيفة أخرى.
تعتمد حياة" بحارة الرياح" بالكامل على حركة الرياح والتيارات، فهي تنجرف مع المياه، ولا تستطيع السباحة عكس التيارات الأفقية في المحيط أو التحكم في وجهتها، ولهذا كثيرا ما ينتهي بها الأمر عالقة على الشواطئ.
وتوضح باريش التي تشغل منصب المديرة التنفيذية لفريق رصد السواحل ومسح الطيور البحرية (COASST)، في حديثها للجزيرة نت أن" ما يحدث أن الرياح عندما تصبح قوية بما يكفي وتهب في الاتجاه المناسب، يمكن أن تدفع ملايين الأفراد من هذه الكائنات الطافية على سطح البحر نحو اليابسة بصورة متزامنة".
وتشير إلى أن" ظاهرة الجنوح الجماعي لا تقتصر على منطقة ساحلية محددة، بل يمكن أن تمتد على طول الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، من باخا كاليفورنيا جنوبا حتى ألاسكا شمالا، ما يعكس وجود تجمعات بحرية هائلة تتحرك وتصل إلى الشاطئ في الوقت نفسه تحت تأثير الرياح والتيارات البحرية".
وخلصت دراسة شاركت فيها باريش عام 2021، إلى أن هذه الظاهرة تحدث غالبا خلال فصل الربيع عندما تهب الرياح على ساحل المحيط الهادئ من الغرب إلى الشرق حتى تدفع الأجسام الطافية على السطح باتجاه الشاطئ، لكن هذه الرياح الغربية لا تجلب هذه الكائنات الصغيرة كل عام، لأنها لا تكون أحيانا موجودة أصلا ليتم دفعها نحو الساحل.
كما ينبغي أن تسمح ظروف البحر بتكاثر أعداد كافية من هذه الكائنات الهلامية حتى تصل إلى الشاطئ بهذه الأعداد الضخمة.
كما تصبح هذه الظاهرة أكثر شيوعا عندما تكون المياه أكثر دفئا من المعتاد، وهو ما قد يفسر سبب وصول هذا العدد الكبير هذا العام.
ويرجح العلماء أن تكون الأعداد الكبيرة المسجلة هذا العام مرتبطة بعودة محتملة لظاهرة النينيو، وهي نمط مناخي طبيعي يؤدي عادة إلى ارتفاع حرارة المياه قبالة الساحل الغربي.
كما تشير تقديرات الباحثين إلى أن تغير المناخ قد يسهم أيضا في زيادة ظاهرة الجنوح الجماعي، فقد كان مارس/آذار الماضي أدفأ مارس/آذار في الولايات المتحدة منذ 132 عاما، ويرجع ذلك على الأرجح إلى تغير المناخ.
وترجح باريش أن فصول الشتاء الأكثر اعتدالا والأقل اضطرابا تسمح على الأرجح ببقاء عدد أكبر من مستعمرات" بحارة الرياح" خلال الأشهر الباردة، ما يؤدي إلى تراكم أعداد أكبر منها على الشواطئ مع حلول الربيع في بعض السنوات.
وحين تصل هذه الكائنات إلى اليابسة وتغطي الشواطئ، تكون عادة قد بلغت بالفعل المراحل الأخيرة من دورة حياتها، وتبدأ بالدخول في مرحلة التحلل، وهي عملية تنشر في الهواء رائحة قوية غير مستحبة تشبه رائحة السمك، وربما تمنح الشاطئ طابعا بحريا إضافيا.
وخلال بضعة أسابيع فقط، تبدأ ألوانها الزاهية بالتلاشي حتى تتحول إلى اللون الأبيض.
وبعد ذلك تفقد كل رطوبتها وتجف تدريجيا، ولا يتبقى منها سوى بقايا هشة من أشرعتها، تبدو أقرب في قوامها إلى أغلفة الحلوى الشفافة أو رقائق البطاطس، ما يجعلها مصدرا غير جذاب لغذاء الحيوانات البرية مثل الطيور البحرية، ثم تتطاير مع الرياح مثل قطعة رقيقة من ورق الأرز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك