يأتي الكتاب الجديد للكاتبة والإعلامية الدكتورة ميادة عبدالعال ليضع صُنّاع الفن أمام قراءة استشرافية دقيقة حول مستقبل الفنون الأدائية، متتبعاً الطفرات المتلاحقة للتكنولوجيا الرقمية وأثرها المباشر في تغيير بوصلة التمثيل والإخراج.
وينطلق العمل من رصد التحولات العميقة التي فرضتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز على المشهد الإبداعي، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حتمية تمس جوهر العروض الفنية والمسرحية المرتقبة في السنوات القادمة.
وتتتبنى المؤلفة في طيات كتابها رؤية تحليلية تفكك بها آليات إعادة تشكيل أساليب الأداء وصناعة المحتوى بفعل الأدوات الرقمية الحديثة.
كما تشرح كيف أسهم دمج الواقعين الافتراضي والمعزز في كسر القوالب التقليدية للعروض، من خلال تشييد بيئات تفاعلية تضمن للمتلقي تجربة بصرية وحسية أكثر عمقاً واندماجاً مع العمل الفني.
ويمتد التحليل ليرصد التغلغل المباشر للذكاء الاصطناعي في عصب الصناعة، بدءاً من تفكيك النصوص وتطوير الرؤى الدرامية، وصولاً إلى هندسة المشاهد وتخليق الشخصيات الافتراضية، وهي قفزات بقدر ما تتيح من إمكانات بكر، بقدر ما تثيره من جدل فكري حول المدى المسموح به للتدخل التقني في الفضاء الإبداعي.
وفي هذا السياق، تفرد الدكتورة ميادة عبدالعال مساحة جادة لمناقشة التماس الجدلي بين الموهبة البشرية والأنظمة الذكية، مدافعة عن أطروحة أن الثورة التكنولوجية لا تستهدف إقصاء الفنان، بل تؤسس لنمط تفاعلي مغاير يجمع الإنسان بالآلة.
وتتوقف الباحثة عند حزمة من التحديات، أبرزها كيفية صون الهوية الإبداعية وسط مناخ رقمي متسارع، مجيبة عن التساؤل المقلق حول ما إذا كانت التقنية ستبقى مجرد أداة طيعة في يد المبدع، أم ستتحول إلى شريك أصيل في صياغة المنتج الفني.
وتكتسب هذه الطروحات أهميتها من توقيتها، حيث تتزامن مع حراك بحثي عالمي يسعى لفك شفرات الرقمنة في القطاعات الثقافية، ليخلص الكتاب إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد ذوباناً للحدود الفاصلة بين الفن والآلة، بما يعيد هندسة المفاهيم الكلاسيكية للعملية الفنية برمتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك