«سبايدر مان اليمن»، بذا اشتهر الشاب اليمني القعقاع عنتر العبسي ابن محافظة الضالع، البالغ من العمر 30 عاما، لأنه امتهن المخاطر وألعاب الموت، فاعتاد استعراض قدراته على تسلق المنحدرات الصخرية الوعرة بمهارة وسرعة، من دون اللجوء لمعدات مساعدة، للحصول على أعلى مشاهدات كمصدر للدخل.
لكن الشاب المغامر، طُويت صفحته وفارق الحياة خلال تسلقه فوهة بركانية شديدة الانحدار، إذ انزلقت قدمه ليسقط في عمق 31 مترا، ليخلف الحزن العميق لدى محبيه ومتابعيه.
يحزنني أن أرى من يتناول قصة هذا الشباب من زاوية البطل الشجاع الملهم الذي لا يهاب الأخطار، على الرغم من كون هذه المهنة التي كان يزاولها العبسي تجسد مأساة إنسانية بالغة، فهي قصة اقتصاد رقمي يزج بالشباب إلى تحويل حياتهم إلى سلعة، في ظل هتافات وإعجابات من جماهير جعلت مشاهد الموت والخطر مادة للتسلية والمتعة، وفي ظل تعامل رسمي سطحي مع تلك التحولات الخطرة التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي.
أنا هنا لست بصدد تناول حادثة سقوط عادية، إنما ظاهرة عالمية تزداد اتساعا، وتوغلت في بلادنا العربية جراء الانفتاح في عصر الثورة التكنولوجية والرقمية، التي جعلت العالم أشبه بقرية صغيرة، فتحولت ألعاب الموت إلى محتوى رقمي قابل للمشاهدة والبيع والتسويق.
لا يمكن ولا يسوغ تناول هذه الحادثة بمعزل عن البيئة الرقمية والمنصات التي فقدت معنى العنوان الذي ولدت به: «التواصل الاجتماعي»، فمنصات التواصل تحولت إلى سوق ضخمة للمنافسة على سلعة اقتصادية جديدة تسمى «الانتباه»، الذي يترجم إلى متابعين وإعلانات وعوائد مالية ورعاية شركات ومؤسسات، وغدت الخوارزميات تكافئ المحتوى القادر على إثارة الدهشة والصدمة والانفعال، وكلما ارتفع مستوى الإثارة، زادت إمكانية وفرصة الانتشار والربح.
ولأن سوق العمل التقليدي في كثير من الدول، خاصة العربية، لم يعد قادرا على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب، فقد اندفع بعضهم، أو كثير منهم إلى البحث عن بدائل خارج هذه الأطر التقليدية، واستثمار الوظائف الجديدة التي أنتجها الفضاء الرقمي، الذي حول الخطر إلى سلعة قابلة للاستهلاك.
هذا الشاب مات ضحية اقتصاد الانتباه الذي أنتجته المنصات الرقمية، التي جعلت قيمة المحتوى مرتبطة بالقدرة على إدامة الإثارة في عيون المستخدم، وهنا يضطر صانع المحتوى مع مرور الوقت إلى رفع سقف المخاطرة للحفاظ على جمهوره، فهو يدرك أن ما أثار الناس بالأمس أصبح اليوم أقل تأثيرا ووهجا، فيلجأ إلى مزيد من التأثير عبر تعريض حياته لأخطار أشد تجتذب الجماهير.
إن العبارات التحذيرية التي تضعها المنصات الرقمية أسفل المقاطع التي تحتوي على مثل هذه المغامرات المميتة، مهما كانت تعفيها من المساءلة القانونية، فإنها لن تعفيها من المسؤولية الأخلاقية، التي يفترض أن تجعلها تقلل من دوافع إنتاج مثل هذا النوع من المحتوى.
الجمهور الباحث عن المتعة في ألعاب الموت شريك في الجريمة، لأنه جزء أساسي من هذه المنظومة العبثية عن طريق المشاهدات والإعجابات ومشاركة المحتوى وهو يدرك أن مادة المتعة والإثارة التي يشاهدها قد تتحول في لحظة إلى مأساة يروح ضحيتها صانع المحتوى.
الجمهور الذي ذرف الدموع على الشاب هو نفسه الذي كانت تتسع عيونه وتتغير ملامحه من فرط الإثارة والمتعة وهو يشاهد الشاب يخاطر بحياته، فلسان حال الجمهور في هذه اللحظة: استمر.
المتابع شريك في هذه المأساة عندما استهلك تلك المقاطع للشاب بوصفها محتوى ترفيهيا، من دون التفكير في الثمن الحقيقي الذي يدفعه العبسي، وهو يضع نفسه في فم الموت.
وهنا يأتي دور الحكومات في التعامل مع هذا الواقع الجديد، فنعم هناك في الدول المتقدمة لوائح تنظم الأنشطة الخطرة وتفرض معايير السلامة على التصوير الاحترافي في المواقع الخطرة والمرتفعات، وتلزم صناع المحتوى باتخاذ إجراءات الحماية واستخدام معدات وقاية، لكن في الدول النامية والشرق الأوسط هناك تأخر في التشريعات عن مواكبة هذه التحولات والتعامل معها، بما تفرضه قيمة حياة الإنسان، فمعظم هذه الدول تنظر إلى مثل هذه الأنشطة باعتبارها أنشطة فردية خارج إطار التنظيم.
إن التدخل الرسمي لحماية هذه الأنشطة التي تنطوي على مخاطر عالية وسباق مع الموت، ليست قيودا على حرية الأفراد، وإنما هي توفير سبل الحماية لصناع المحتوى حتى لا تتحول أرواح البشر إلى سلعة للمتاجرة.
الأنشطة التي راح ضحيتها «سبايدرمان اليمن» وغيره تقع في نطاق مسؤولية الحكومات التي ينبغي أن تضع الحدود بين الإبداع والانتحار، بين حرية صناعة المحتوى والمسؤولية عن حياة البشر.
فلا يعقل أن تتدخل الحكومات في المحتويات التي تسيء للأنظمة أو تتضمن قضايا تثير الرأي العام ونحوه، ثم لا تتدخل في ما هو أهم من ذلك: أرواح البشر التي لا يمكن أن تعوض، فقيمة الحياة ينبغي أن تكون دائما أكبر من قيمة المحتوى الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك