وكالة شينخوا الصينية - (وسائط متعددة) ترامب: الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران متوقع اليوم رغم الضربة الإسرائيلية على لبنان الجزيرة نت - هل القاضي الفرنسي ضد فلسطين؟ قناة القاهرة الإخبارية - واشنطن وطهران تعلنان التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب وكالة شينخوا الصينية - وزيرا خارجية الصين ومنغوليا يصدران بيانا صحفيا مشتركا بشأن العلاقات والتعاون بين البلدين قناة الجزيرة مباشر - استنفار في الشارع التونسي لمؤازرة المنتخب فجرا أمام السويد وكالة شينخوا الصينية - افتتاح معرض تشونغتشينغ الدولي للسيارات 2026 قناة القاهرة الإخبارية - خريطة طريق "العهد الجديد".. أبرز بنود الاتفاق بين واشنطن وطهران وكالة شينخوا الصينية - إسرائيل تسيطر على أجزاء من مجدل زون وتحاصر تلال "علي الطاهر" بجنوب لبنان وكالة شينخوا الصينية - عقد منتدى المضيق الـ18 في شيامن الصينية وكالة شينخوا الصينية - أسبوع الموضة في بلدية تيانجين بشمالي الصين
عامة

امتحانات تكافئ الحفظ وتعاقب التفكير

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين
1

مع حلول موسم الامتحانات، يتحول القلق من حالة عابرة إلى ثقافة عامة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في المنازل يخيم صمت ثقيل، وتتصاعد نصائح الأهل وتحذيراتهم، ويصبح نجاح الطالب وكأنه مرآة لقيمة الأسرة وم...

مع حلول موسم الامتحانات، يتحول القلق من حالة عابرة إلى ثقافة عامة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في المنازل يخيم صمت ثقيل، وتتصاعد نصائح الأهل وتحذيراتهم، ويصبح نجاح الطالب وكأنه مرآة لقيمة الأسرة ومكانتها، لا مجرد محطة تعليمية في مسار طويل من التعلم والنمو.

وفي المقابل، تتحرك المؤسسة التربوية بكل ثقلها التنظيمي، توزع المراكز الامتحانية، وتطبع البطاقات والأسئلة، وتكلف آلاف المراقبين، وتنقل أوراق الامتحان بإجراءات أمنية مشددة، فيما تنتشر عناصر الشرطة عند مداخل المدارس، وحتى سائقو سيارات الأجرة يجدون في هذا الموسم فرصة إضافية لنقل الطلاب بالأجرة، وسط حالة الاستنفار الجماعي التي ترافق الامتحانات كل عام.

وما يثير التأمل أن هذا الجهد الهائل، الإداري والاجتماعي والنفسي، يسخر من أجل ساعات امتحانية معدودة، وكأن العملية التعليمية بكل ما فيها من معلمين ومناهج ومدارس وأنشطة ليست سوى مقدمة طويلة لتلك اللحظة الفاصلة التي سيجلس فيها الطالب أمام ورقة الأسئلة، وهنا يتحول الامتحان من وسيلة لقياس التعلم إلى غاية قائمة بذاتها، ويتحول التعليم من رحلة لاكتشاف المعرفة إلى سباق مرهق نحو العلامة.

ثم لا تلبث هذه الحالة أن تبلغ ذروتها مع إعلان النتائج، وتعقد المؤتمرات الصحافية، وتتصدر أسماء الأوائل الشاشات، وتُوزع عبارات التهنئة والإشادة، وكأن المجتمع بأسره يحتفل بانتصار التعليم، غير أن السؤال الذي قلما يطرح وسط هذا الاحتفال هو: ما الذي نحتفل به حقا؟ هل نحتفل بالتعلم أم بالامتحان؟ هل نحتفل بالفهم أم بالقدرة على الحفظ والاسترجاع؟ المشكلة ليست في الطلاب المتفوقين ولا في فرحة أسرهم المستحقة، بل في الفلسفة التي تجعل من التفوق الامتحاني المعيار الأعلى للنجاح، وتحول التعليم من عملية بناء للإنسان إلى عملية فرز للدرجات، فمنذ عقود طويلة تنفق الدول المليارات على تطوير التعليم، وتتغير المناهج والأبنية والوسائل، لكن السؤال الجوهري ما زال معلقا: لماذا ما زالت مدارسنا تنتج حفظة أكثر مما تنتج مفكرين؟ ولماذا ما زال الامتحان يكافئ الحفظ أكثر مما يكافئ التفكير؟ وقد وصف المفكر التربوي البرازيلي باولو فرايري هذا النمط من التعليم بـ»التعليم البنكي»، ففي هذا النموذج ينظر إلى الطالب لا بوصفه شريكا في إنتاج المعرفة، بل بوصفه وعاء فارغا تودع فيه المعلومات، ثم يختبر لاحقا في قدرته على استرجاعها، وفي هذا النوع من التعليم لا يكافأ الفضول ولا تشجع الأسئلة، بل يكافأ الحفظ والانضباط والقدرة على إعادة إنتاج الإجابات الصحيحة، وهكذا يصبح الامتحان هو الغاية، ويغدو التعلم مجرد وسيلة لعبوره.

ورغم كل مشاريع الإصلاح والتطوير التي شهدتها أنظمتنا التعليمية، بقيت الفلسفة ذاتها تحكم العملية التربوية، تغيرت الكتب والوسائل، لكن ثقافة التلقين لم تتغير، وبقيت الامتحانات تقيس ما يستطيع الطالب تذكره أكثر مما تقيس ما يستطيع فهمه أو تحليله أو تطبيقه.

وقد أطلق التربويين المختصين على ذلك مصطلح «الحفاظ العشرة» على ظاهرة الاحتفاء السنوي بالأوائل في الامتحانات العامة، والمقصود ليس التقليل من اجتهاد هؤلاء الطلاب، بل نقد النظام الذي يجعل منهم النموذج الوحيد للتفوق، وهل تعكس العلامة المرتفعة بالضرورة قدرة أكبر على التفكير والإبداع؟ أم أنها تعكس قدرة أكبر على التكيف مع قواعد نظام قائم على الحفظ والاسترجاع؟ وإن المشكلة لا تكمن في تكريم المتفوقين، بل في الرسالة الضمنية التي يبعثها هذا الاحتفاء: إن النجاح الحقيقي هو النجاح في الامتحان، وإن قيمة الطالب تختزل في رقم يحصل عليه في نهاية العام.

علما أن الاختبارات الدولية التي تقيس الفهم والتحليل وحل المشكلات مثل PISA وTIMSS لا تسأل الطالب عما حفظه من الكتاب، بل عما يستطيع أن يفعله بما تعلمه، إنها تقيس التفكير والاستدلال والتطبيق، لا مجرد التذكر.

ولهذا يظهر التناقض بوضوح، فالتفوق في نظام قائم على الحفظ لا يعني بالضرورة القدرة على التعامل مع أسئلة جديدة أو مشكلات غير مألوفة، ولا تتوقف آثار التعليم البنكي عند حدود المدرسة والامتحانات، بل تمتد إلى المجتمع وسوق العمل، فالمؤسسات الحديثة لم تعد تبحث عن أشخاص يمتلكون أكبر كمية من المعلومات المحفوظة، لأن المعرفة أصبحت متاحة للجميع بضغطة زر، وإنما تبحث عن أشخاص قادرين على التفكير النقدي والتواصل والعمل الجماعي والابتكار واتخاذ القرار.

ولهذا تتكرر مفارقة مؤلمة، فبعض الطلاب الذين يحققون أعلى العلامات يواجهون لاحقا صعوبة في التعامل مع الواقع المهني الذي يتطلب مبادرة وإبداعا، وليست المشكلة في قدراتهم الشخصية، بل في نظام دربهم لسنوات على البحث عن إجابة واحدة صحيحة، بينما الحياة مليئة بالأسئلة المفتوحة والاحتمالات المتعددة.

وعندما يربى الطالب على التلقي أكثر من المشاركة، وعلى الحفظ أكثر من الاكتشاف، يصبح من الطبيعي أن يحمل شهادة تثبت ما حفظه، لا ما يستطيع إنجازه، وبذلك لا تقاس قيمة التعليم بالشهادات ونسب النجاح، بل بمقدار الوعي الذي ينتجه في المجتمع، غير أن مجتمعاتنا لم تحسم بعد سؤالا جوهريا: ماذا نريد من التعليم؟ هل نريده أن يصنع مواطنين أحرارا قادرين على التفكير، أم أفرادا متقنين للحفظ والطاعة والتكرار؟ وتكون النتيجة أجيالا تحفظ أكثر مما تفهم، وتكرر أكثر مما تبدع.

فالتعليم الحقيقي مشروع مجتمعي لا ملف إداري، ووزارة التربية ليست وزارة عابرة، بل وزارة مجتمع بأكمله لذلك فإن أي تطوير لا ينطلق من حاجات الناس وأسئلتهم الكبرى سيبقى تغييرا في الشكل لا في الجوهر.

الأزمة التعليمية لا تتعلق بالحفظ وحده، بل تمتد إلى مفهوم العدالة ذاته، فكيف يمكن أن يكون الامتحان عادلا بين طالب يدرس في مدرسة بمنطقة نائية فقيرة، تفتقر إلى المختبرات والمكتبات والوسائل التعليمية، وطالب آخر يدرس في مدرسة خاصة متطورة توفر له كل أشكال الدعم والتدريب؟ إن المساواة في الامتحان لا تعني بالضرورة العدالة في الفرص.

فالامتحان الموحد في ظل تعليم غير موحد قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل معالجتها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك