عبر تقنيات التواصل الحديثة، تمكن المخرج الفلسطيني سليم ضو من المُشاركة في الفعالية الثقافية السينمائية التي نظمها اتحاد المرأة الفلسطينية برئاسة آمال الأغا، وتحت إشراف سونيا عباس، مسؤولة النشاط الثقافي في الاتحاد بمناسبة ذكرى يوم الأرض، حيث عُرض ضمن برنامج الفعالية الفيلم التسجيلي «مفاتيح» لسليم ضو.
زمن الفيلم نحو ساعة وربع تقريباً، حاول خلالها المخرج أن يؤكد المعنى الأهم لدلالة المفاتيح كعنوان للحالة الإبداعية التي تتداخل فيها خيوط الدراما التسجيلية الحية مع الأبعاد التاريخية للصراع الوجودي، الذي بدأ منذ عام 1948 وما زال مُستمراً حتى الآن من دون فواصل زمنية، تُريح الطرف المنكوب من عناء التشرد في ظل عمليات الاستحواذ القائمة للاستيلاء على المزيد من الأراضي والبيوت والمُمتلكات منذ أكثر من نصف قرن، ولم تهدأ ولم تتوقف رحاها للحظة واحدة.
الرؤية السينمائية في فيلم «مفاتيح» جاءت مُختلفة إلى حد كبير عن سابقاتها من الرؤى الأخرى التي جنح أصحابها إلى إبراز عنصر المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والعدو الصهيوني، للتأكيد على حدة الصراع الدموي بين قوتين غير مُتكافئتين تماماً، اللهم إلا ببسالة المقاومين التي تُغير أحياناً كثيرة من موازين القوة بإحداثها أضرارا بالغة في صفوف الجيش الإسرائيلي المُنظم والمدعوم من الولايات المُتحدة الأمريكية عسكرياً ولوجستياً بشكل مُباشر.
لكن ثمة انتهاج جديد أو امتداد لنهج موجود فعلياً يُمثل تياراً قوياً في السينما الفلسطينية، اتبعه سليم ضو في توصيل رسالته للعالم، إذ اعتمد كلياً وجزئياً على تفعيل الحالة الإنسانية، لتحقيق التأثير المطلوب، من دون الحاجة إلى التلويح بالرصاص والدم كإشارات للمجازر التي عاشها ويعيشها المواطنون الفلسطينيون في القرى والمُدن المُحتلة كافة، القدس وغزة وطولكرم وجنين والضفة والجليل ودير ياسين وبئر السبع ورفح ودير البلح والبيرة والخليل ونابلس وغيرها.
لقد ركز المخرج وكاتب السيناريو على قضية رآها مُفتاحاً مُهماً للموضوع الشائك والمُزمن وهو، الادعاء الكاذب بأن فئة من الفلسطينيين باعوا أراضيهم لليهود قبل عهود سابقة، ما أدى إلى الاتساع في عمليات الاستيطان والاستيلاء قسراً على بقية الأراضي والبيوت وتغيير الملامح الجغرافية للأماكن والمناطق.
وقد رد صاحب الرؤية الإبداعية التسجيلية بالأدلة الدامغة على الأكاذيب، بإشارات واضحة تمثلت في مفاتيح البيوت التي يحتفظ بها أصحابها الأصليين منذ عشرات السنين آملين في العودة إلى ديارهم وأراضيهم.
كما تأكد من واقع الأحداث وجود الخرائط والمُستندات الدالة على المساحات والبنايات بتقسيماتها ومواصفاتها في خزائن أصحابها وحوزتهم، بما يعني عدم التفريط بالبيع، أو المُقايضة، أو المؤاجرة، وتلك نقطة مفصلية في إثبات الحقوق ودحض المزاعم الباطلة.
لقد آثر سليم ضو أن يُركز في فيلمه على الواقع الجغرافي للقرى الفلسطينية، فاستعرض مساحات واسعة من الأراضي الخضراء أضاءت الكادر السينمائي، وأراحت العين بالمناظر الطبيعية الخلابة والساحرة، عامداً إلى تأكيد هوية الوطن الفلسطيني وسُكانه، إذ لا تفريط قط في أي شبر من ملكية الآباء والأجداد.
وقد صاحب المشاهد المعنية بعض الجُمل الموسيقية التصويرية وأهازيج النساء من الجدات والزوجات والأخوات، اللائي تحدثن كثيراً عن ارتباطهن بأرضهن وبيوتهن ومزارعهن.
كذلك كانت شهادات الآباء والأجداد من كبار السن، حول استحقاقهم للممُتلكات والبنايات التي شيدوها بالعرق والدموع وثائق قوية يقينية لا تقبل الشك.
وبنبرة ساخرة تهكم الأبطال الفلسطينيين على ذلك السلك الشائك الذي وضعته قوات الاحتلال ليكون حاجزاً بينهم وبين أرضهم بحجة منع البقر من العبث بالأرض الخضراء، في تنصيب زائف للصهاينة كحراس على مزارع غيرهم وهم اللصوص التاريخيين، سارقو الوطن بمن فيه!لقد مثلت سرعة الكاميرا في الانتقال من قرية إلى قرية ومن مكان إلى مكان أهمية قصوى في الإحاطة بكل التفاصيل، وتعميم فكرة الحصار والقسوة التي يُعاني منها السُكان كافة، في شتى القطاعات من دون تمييز، فالمحتل لم يُفرق بين قرية أو مدينة.
الكل تحت الوصاية الجبرية سواء.
وأمام هذا الإدراك من جانب الفلسطينيين، توحدت المواقف وأجمع الشعب بُمسلميه وأقباطه على حفظ الذاكرة الوطنية، بكل ما تحمله من تفاصيل صغيرة وكبيرة، لذا أوضح المخرج صور التضامن في شكل الصليب المُثبت على أبواب البيوت القديمة والحيطان والمقابر، كما بين ما يدل على عمق الوحدة الوطنية بين عُنصري الوطن الواحد، فأظهر كذلك آيات ودلالات إيمان المواطن المُسلم بالأطلال وما تبقى من ذكريات الماضي، حتى إن صارت بقايا أشياء من شجر أو حجر أو ثمار كثمار الزيتون والتوت والجميز.
نعم إنها حكاية فلسطينية وسيرة عطرة للوطن الباقي والأجيال المُتعاقبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك