عين الحلوة – “القدس العربي”: في أزقّة مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، وبين حكايات اللجوء وذاكرة الوطن، يواصل حسام رشيد ميعاري، ابن بلدة عكبرة في قضاء صفد، رحلة استثنائية في حفظ التراث الفلسطيني وصون ذاكرته، حتى عُرف بلقب حارس التراث الفلسطيني.
بدأت هذه الرحلة عام 2005، حين قرّر حسام أن يقترب أكثر من جذوره الفلسطينية، فكانت الخطوة الأولى جمع شجرة العائلة، بدعم وتشجيع من والده.
في ذلك الوقت، كانت لدى العائلة بعض المقتنيات القادمة من فلسطين، وهي قطع صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها، تحمل عبق البيوت القديمة وذكريات الأجداد الذين هُجّروا عن أرضهم.
ومنذ تلك البداية، تحوّل الاهتمام إلى رسالة حياة.
كان حلم حسام أن يمتلك مفتاحا من بيوت العائلة في فلسطين، ذلك المفتاح الذي صار رمزا للتمسك بحق العودة والارتباط بالأرض.
ولم يكن الوصول إليه سهلا، إذ بقي على تواصل دائم مع أشخاص من داخل فلسطين وخارجها، أملا في الحصول على مفتاح لأي بيت فلسطيني.
وكان أول مفتاح حصل عليه من بلدة صرفند العمار في قضاء الرملة، هدية من والدة أحد أصدقائه.
شكّل ذلك المفتاح محطة أساسية في مسيرته، ثم حصل لاحقا على مفتاح من مدينة الناصرة، وفي عام 2023 أضاف إلى مجموعته مفتاحا من سوق خان يافا العريق.
ولكل مفتاح في هذه المجموعة حكاية، ولكل حكاية مكان وناس وذاكرة لا تموت.
ولا تقتصر مقتنيات حسام على المفاتيح فقط، بل تضم عشرات القطع التراثية التي تعود إلى مدن وقرى فلسطينية مختلفة، من القدس إلى عكا والناصرة والرأس الأحمر وعكبرة وغيرها.
وهو يرى أن كل قطعة تحمل حكاية عن بلدة في فلسطين وأهميتها، وتروي جانبا من تاريخ الشعب الفلسطيني وحياته اليومية وعاداته الاجتماعية.
ومن بين أكثر القطع التي يحرص على تقديم قصتها للناس، عدة القهوة العربية.
ففي بلاد الشام تتشابه مكونات هذه العدة، لكنها في فلسطين تحمل تسميات خاصة، منها الدلة والشبل والتنويه، وهي تسميات تحيل إلى الجد والابن والحفيد، بما يعكس امتداد العائلة وتواصل الأجيال.
وترتبط عدة القهوة بطقوس اجتماعية متوارثة، من أبرزها مصبات القهوة الثلاثة: مصب الديوان، ومصب الأفراح، ومصب الأحزان.
وكانت لهذه المصبات دلالات واضحة في إدارة العلاقات بين العائلات والعشائر.
قديما، إذا حدث خلاف بين عشيرتين، كانوا يرسلون مرسالا.
فإذا كان مصب الديوان موضوعا، كان ذلك يعني أن الصلح قائم وأن أبواب الحوار مفتوحة، أما مصب الأحزان، فكان يدل على أن الخلاف ما زال موجودا ولم تُحل أسبابه بعد.
كما يروي حسام من حكايات الضيافة الفلسطينية أن القهوة والماء كانا يقدّمان معا للضيف، وكانت طريقة تناوله لهما تحمل دلالات خاصة.
فإذا شرب الضيفُ الماءَ قبل القهوة، كان ذلك يعني أن مشواره طويل، وأن من الضروري أن تُجهز له مائدة طعام.
أما إذا شرب القهوة ثم شرب الماء بعدها، فكان يُفهم، وفقا للموروث الشعبي، أن القهوة ليست طيبة كثيرا.
ومن خلال هذه المقتنيات، لا يكتفي حسام بعرض القطع، بل يحاول قدر الإمكان أن يشرح عن كل واحدة منها، ومدى أهميتها، وإلى أي بلد تعود.
فهو يقدمها بوصفها شواهد على المكان والناس والذاكرة، لا مجرد أدوات قديمة أو تحف للعرض.
لذلك، يشارك باستمرار في معارض تراثية ومناسبات وطنية، مؤمنا بأن التراث هوية وانتماء ووسيلة لحفظ الذاكرة الفلسطينية من الضياع.
كما يحرص على التواصل مع الأجيال الجديدة، فشارك في فعاليات مسرح المدينة، وزار بعض المدارس ليتحدث إلى الطلاب عن التراث الفلسطيني، خصوصا في مناسبات مثل يوم الأرض وذكرى النكبة.
ويرى أن مسؤولية نقل الحكاية إلى الأطفال والشباب لا تقل أهمية عن حفظ المقتنيات نفسها، لأن الإنسان هو الحامل الحقيقي للذاكرة.
ولم تتوقف مساهماته عند هذا الحد، فقد شارك في مسلسل لبناني يتناول أيام الانتداب، كما ظهر في أكثر من وثائقي أعدّه طلاب جامعات، بهدف تسليط الضوء على التراث الفلسطيني وقصص اللجوء والتمسك بالهوية الوطنية.
ورغم السنوات الطويلة التي قضاها في جمع هذه المقتنيات والعناية بها، ما زال حسام يحمل الحلم ذاته، وهو أن تعود هذه القطع معه يوما إلى فلسطين، وأن يكون لديه معرض هناك.
فبالنسبة إليه، ليست هذه المقتنيات مجرد مقتنيات شخصية، بل أمانة تاريخية وشهادة حية على وجود شعب ما زال يتمسك بأرضه وحقوقه وهويته.
ويأمل حسام أن يورّث هذا الإرث لأبنائه، كما ورث هو حب الوطن والتمسك بالجذور عن والده، على أمل أن يأتي اليوم الذي يعود فيه الفلسطينيون إلى بلادهم، حاملين معهم مفاتيح البيوت وحكايات الأجداد وكل ما حفظوه من تراث عبر عقود اللجوء.
إن تجربة حسام رشيد ميعاري ليست مجرد هواية في جمع التحف والمقتنيات، بل فعل ثقافي ووجداني يحفظ الذاكرة من النسيان، وإصرار على أن تبقى فلسطين حاضرة في الذاكرة والوجدان.
فحين تُروى الحكايات، وتُعرض المفاتيح، وتُنقل العادات إلى الأجيال الجديدة، يبقى الوطن حيا مهما طال الغياب.
وهكذا يواصل حارس التراث الفلسطيني حراسته للذاكرة، ورواية حكايات الأرض، مؤمنا بأن التراث هو الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويحفظ للأجيال القادمة حقها في معرفة جذورها والانتماء إليها، على أمل أن تعود هذه الحكايات يوما إلى موطنها الأصلي، فلسطين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك