الناصرة- “القدس العربي”: يتراوح المزاج العام داخل إسرائيل اليوم بين العتب والغضب على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بسبب توقيع مذكرة تفاهم مع إيران تعزز قوة الأخيرة وتضعف الأولى، بعد حربين لم تحققا الأهداف المعلنة.
وتذهب أوساط غير قليلة في إسرائيل إلى حد القول إن الاتفاق الجديد بين واشنطن وطهران أسوأ من اتفاق أوباما عام 2015، وإن ترامب ألقى بإسرائيل “تحت عجلات الباص”.
وينبع العتب والغضب والإحباط في إسرائيل من عدة مصادر، منها مبدأ الاتفاق مع إيران بدلا من مواصلة حرب مدمرة، أو من عملية حصار تحول إيران إلى دولة معاقة، ومن حقيقة كونه اتفاق إطار تدريجيا يمنح إيران فرصة لالتقاط أنفاسها وإنعاش خزينتها بالإفراج عن أموال مجمدة، وبالسماح باستئناف بيع النفط، وربما التهرب من التزاماتها، خاصة بما يتعلق بتخفيض كثافة اليورانيوم وتدميره على أراضيها.
ورغم الصورة الضبابية، يزداد القلق في إسرائيل من الاتفاق الوشيك الذي يقول إن رياح واشنطن وطهران تجري بما لا تشتهيه سفن تل أبيب، وسيلتئم الكابنيت مساء اليوم للنظر في تبعات الاتفاق.
كما ينبع هذا القلق الكبير في إسرائيل من الموجود والمفقود في اتفاق الإطار، ومن آليته ومنطقه المعتمدين، حيث يتم التفاهم على قضايا ليست جوهرية مع ترحيل نقاط استراتيجية للمستقبل، كما حصل في اتفاق العشرين نقطة حول غزة.
ومما يثقل على إسرائيل وحكومتها وجيشها ربط الاتفاق بين إيران ولبنان، إذ تفيد تسريبات الرواية الإيرانية للاتفاق بانسحاب الاحتلال من جنوب لبنان، مما يعزز قوة حزب الله ويمنحه فرصة لترميم نفسه واستعادة عافيته.
وطبقا للإذاعة العبرية الرسمية اليوم الأحد، يعبر الجيش الإسرائيلي عن قلق بالغ من إجباره على الانسحاب وتكبيل يديه مقابل حزب الله، بعكس اتفاق نوفمبر 2024.
رسميا لا يوجد تعقيب في إسرائيل على الاتفاق الذي أعلن ترامب عن توقيعه اليوم الأحد، عدا وزير المالية المستوطن بتسلئيل سموتريتش الذي غرد في منصة “إكس” اليوم داعيا نتنياهو لتطبيق معادلة الضاحية مقابل استهداف مستوطنات الجليل.
لكن إسرائيل قالت في بيان صادر عن مكتب رئيس الحكومة يوم الجمعة، إنها تثق بأن الرئيس الأمريكي سيكفل في الاتفاق عدم بقاء يورانيوم مخصب في طهران.
ورغم عدم صدور تعقيب رسمي، هناك قلق وإحباط في أوساط واسعة داخل إسرائيل، من جنرالات في الاحتياط، ومسؤولين سابقين، ومراقبين ومحللين، مما حصل ويحصل، ولسان حالهم واحد ويقول: “لا نصر مطلق ولا يحزنون”.
ويعبر عن ذلك بحدة وقسوة رئيس حكومة الاحتلال ووزير الأمن سابقا إيهود باراك، الذي قال اليوم إن “الاتفاق بكلمة واحدة سيئ، وبكلمتين “سيئ جدا””.
وفي حديث للإذاعة العبرية الرسمية، يرى باراك أن إيران خرجت أقوى وإسرائيل أضعف، مشددا على أن أهداف الحرب لم تتحقق بسبب اللغة المتعجرفة والرهان على القوة المفرطة دون رؤية سياسية مكمّلة للمكاسب العسكرية في الميدان.
وباراك، الذي لا تخلو انتقاداته من حسابات فئوية ومحاولة للنيل من هيبة وحظوظ نتنياهو بالبقاء في الحكم، يشير إلى أن الولايات المتحدة بعد هذا الاتفاق لن تعود للحرب بكل الأحوال على ما يبدو.
ويعلل باراك ذلك بالقول: “سيجد ترامب نفسه مشغولا بالانتخابات النصفية، أو سيكون بطة عرجاء.
خرجت إيران أقوى من كل الجهات.
نتنياهو قادنا إلى خسارة تاريخية”.
وهذا ما يراه رئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب سابقا، الجنرال في الاحتياط عاموس يادلين، الذي أكد في حديث للقناة 12 العبرية في الليلة الفائتة أن الحرب حققت مكاسب مهمة في الحلبة العسكرية، لكن إيران عطلت وحيدت هذه المكاسب من خلال الحلبة الدبلوماسية، وعبر إغلاق هرمز والضغط على ترامب وعلى العالم، وباستهداف دول الخليج أيضا كوسيلة ضغط.
وتابع يادلين: “في حال تبين أن الطبعة أو الرواية الإيرانية للاتفاق المتوقع هي الأصح، فإنه اتفاق سيئ، بل أسوأ من اتفاق أوباما عام 2015 الذي خرج منه نتنياهو وترامب في 2018.
ينبغي السعي حتى اللحظة الأخيرة لفصل لبنان عن إيران”.
وفي حديث للقناة ذاتها، يرى مستشار الأمن القومي الأسبق الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند أن الاتفاق سيئ مثل اتفاق أوباما.
ويتفق المحلل السياسي للقناة بن كسبيت مع الجنرالين المذكورين ضمن مقال تنشره صحيفة “معاريف” اليوم، وفيه ذهب إلى حد القول إنه رغم المنجزات العسكرية أمام حماس وحزب الله وإيران، فقد قاد نتنياهو إسرائيل إلى “هزيمة سياسية خطيرة”، منوها إلى خطورة التعلق بترامب وتفويت فرص وترك مخاطر ستلاحقنا.
ويتقاطع معه محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “هآرتس” تسيفي بار إيل، الذي يرى أن إيران لا تكتفي بالبقاء، بل تطمح الآن إلى أن تتعاظم اقتصاديا وسياسيا، منوها إلى أنه رغم أن بنود مذكرة التفاهمات ما زالت غامضة، فإن إيران حققت مكسبا بنجاحها في الفصل بين مضيق هرمز وبين الموضوع النووي.
في السطر الأخير، يستشف أيضا من بين الكلمات وخلف السطور أن هناك فهما في إسرائيل بأن الرئيس ترامب فاض به ومل هذه الحرب، ووجهته إغلاق ملفاتها والانشغال بقضايا أخرى، لا سيما أنه مشغول بعيد ميلاده الثمانين، وعيد استقلال بلاده الـ250، وبالانتخابات النصفية وغيرها من المصالح الأمريكية الخاصة.
وترى أوساط إسرائيلية في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قبل يومين مؤشرا على ذلك، بقوله إن الاتفاق مع إيران ربما لن يعجب إسرائيل بسبب تباين المصالح هذه المرة بين بلاده وبينها، وهذا ما استغلته إيران.
بيد أن التلخيص لهذه الحرب ينبغي أن يأخذ بالحسبان أن إيران صبرت وانتصرت بلعبة عض الأصابع، رغم الوجع الشديد والضرر الفادح الذي لحق بها، فمن خلال قدراتها على امتصاص الضربات وحيازة قدرات صاروخية حقيقية حالت دون فوز أمريكي إسرائيلي في هذه المنازلة.
إيران لم تنتصر يوما في الحروب، بيد أنها لم تخسر يوما في المفاوضات، أما إسرائيل فقد تورطت مجددا بالرهان على القوة فقط في كل الجبهات، وبرفع سقف الأهداف، وبتصريحات ساستها المتعجرفة، كتصريحات وتهديدات ترامب المتكررة والمتغطرسة، زادت طينتها بلة عسكريا ودبلوماسيا أيضا، حيث ابتعد الغرب والشرق عن مساندة الحليفين الأمريكي والإسرائيلي وعن التدخل ضد إيران.
ومثلما أن هذا ثمن العجرفة، فهو أيضا ثمن الاتكاء على الغير حتى لو كان حليفا مقربا، وهذا ما ينعكس في تقييمات إسرائيلية اليوم الأحد تعكس حالة عتب وغضب ومزاجا عاما متكدرا يعمق حالة إحباط سائدة في إسرائيل أصلا لأسباب داخلية أيضا ترتبط بالخلافات والصراعات بين معسكرين.
ويعبر عن هذا المزاج والقلق بحث جديد لمعهد سياسات الشعب اليهودي ينشر اليوم الأحد، ويقول إن أغلبية الإسرائيليين يخشون من حرب أهلية، وأن 50% لا يرون بأن إسرائيل مكان مناسب لعيش الأولاد والأحفاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك