العربي الجديد - "الدعم السريع" تقتل 5 مدنيين وتحرق 8 قرى في شمال دارفور CNN بالعربية - أول تعليق من إيران بعد التوصل لاتفاق مع أمريكا: هذه البنود تنفذ فورًا العربي الجديد - الشركات البريطانية هدف لموجة استحواذ واندماج من منافستها الأميركية BBC عربي - سم الفئران يقتل طفلا بدلاً من القوارض في غزة العربي الجديد - 3 أسباب وراء تراجع الأسهم الأوروبية أمام مكاسب الأسواق العالمية قناة الجزيرة مباشر - رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري: قطر ستبقى داعما لكل ما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين العربي الجديد - باكستان تعلن عن اتفاق سلام.. وترامب يأمر برفع الحصار عن إيران العربي الجديد - اليابان تنتزع التعادل من هولندا وآسيا تواصل فرض حضورها في المونديال إيلاف - إيران تتخلى عن طموحها النووي BBC عربي - "هكذا بدأ الحلم الفنلندي يراودني": تحقيق لبي بي سي يكشف استغلال وكالات تعليمية وسيطة لأحلام الشباب الطامحين إلى حياة أفضل
عامة

المجد للسيف… حين يختل ميزان الإنصاف

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

في لحظات الانكسار الحضاري يضعف حضور المبادئ التي تحفظ تماسك المجتمعات وتمحنها قدرتها على البقاء، عندها تتراجع الأفكار الكبرى وتغيب الرؤى الحكيمة، ويختل التوازن بين القوة والمعرفة. ويصبح أول ما يُصاب ب...

في لحظات الانكسار الحضاري يضعف حضور المبادئ التي تحفظ تماسك المجتمعات وتمحنها قدرتها على البقاء، عندها تتراجع الأفكار الكبرى وتغيب الرؤى الحكيمة، ويختل التوازن بين القوة والمعرفة.

ويصبح أول ما يُصاب بالوهن مكانة الإنسان الذي يحمل المعرفة؛ المعلم، والباحث، والمثقف، والأكاديمي.

هؤلاء الذين يفترض أن يكونوا في قلب المشروع الحضاري يتحولون تدريجيا إلى كائنات هامشية تكافح من أجل البقاء، في الوقت الذي تتضخم فيه صورة القوة الخشنة، ويتحول العسكر ــ في بعض البيئات ــ إلى مركز الثقل الرمزي والمادي للمجتمع.

هنا تحديدا تستعاد قصيدة المتنبي، في قصيدته التي مطلعها:حتامَ نحن نُساري النجمَ في الظلمِ … وما سراهُ على خُفٍ ولا قدمِحتى رجعت وأقلامي قوائل لي … المجد للسيف ليس المجد للقلمِتُستعاد هذه القصيدة بوصفها مرآة نفسية وثقافية للحظة اختلال العلاقة بين المعرفة والقوة.

فالبيت الشهير:«المجد للسيف ليس المجد للقلم» يكشف عن مأزق حضاري قديم يتكرر بأشكال مختلفة؛ مأزق المجتمعات التي تعجز عن تحويل المعرفة إلى قوة فاعلة في الواقع.

والمتنبي، في عمقه، لم يكن شاعرا يزدري القلم، وهو أحد أعظم من صنعتهم الكلمة العربية، لكنه كان يصف عالما يرى أن الأفكار، مهما بلغت بلاغتها، تحتاج إلى ما يحميها ويمنحها القدرة على التأثير.

ولذلك قال:«من اقتضى بسوى الهندي حاجته… أجاب كل سؤال عن هلٍ بلمِ»إنه حديث عن عالم يقل فيه الإصغاء إلى القيم المجردة حين تكون بعيدة عن عناصر القوة.

غير أن المأساة الحديثة تبدو أكثر تعقيدا من زمن المتنبي.

ففي الأزمنة القديمة كان السيف ضرورة لحماية الدولة والحدود، أما اليوم فقد تغير شكل «السيف» نفسه.

فالقوة الكبرى أصبحت تُصنع في المختبر، والجامعة، ومراكز البحث، وفي القدرة على إنتاج المعرفة والتقنية والوعي.

إن الدول المتقدمة لم تصل إلى مكانتها لأنها تمتلك جيوشا فحسب، وإنما لأنها فهمت مبكرا أن العلماء يصنعون مستقبل القوة قبل الجنرالات، وأن الجامعة تمثل أحد أعمدة السيادة الحديثة.

ولهذا فإن المجتمعات التي تُهمل معلميها وباحثيها، وتدفع بالمثقفين إلى الهامش الاجتماعي والمعيشي، تُضعف قدرتها العميقة على البقاء الحضاري.

وحين يتأمل الإنسان حال كثير من الأكاديميين العرب اليوم، يشعر بأن الأزمة تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى بعدها الرمزي أيضا.

فالإهمال قد يُحتمل، لكن الإحساس بأن المعرفة فقدت مكانتها الاجتماعية يبدو أكثر قسوة.

إذ كيف يمكن لمجتمع أن يطلب النهضة وهو يضع حامل السلاح في قمة الهرم الرمزي، بينما يترك حامل المعرفة يصارع الإهمال؟ إن الأمم تحتاج إلى الجيوش كما تحتاج إلى المدارس، ولكن تبدأ المشكلة حين تنفصل القوة عن الحكمة، وحين يُختزل مفهوم الدولة في أدوات السيطرة، بعيدا عن صناعة الإنسان والمعنى.

إن الحضارات تتآكل حين تفقد إيمانها بالمعرفة، بوصفها مصدرا للقوة.

فالسيف يستطيع حماية الحدود، لكنه يظل عاجزا عن بناء عقل، أو إنتاج علم، أو صناعة نهضة طويلة الأمد.

ولعل المفارقة الأكثر إدهاشا أن بيت المتنبي نفسه يثبت ـ رغم ظاهره ـ انتصار القلم في النهاية.

فالسيوف التي مجّدها صدئت واختفت، بينما بقيت القصيدة حيّة تعبر القرون، وتُستعاد كلما اختلّ التوازن بين القوة والمعرفة.

لقد انتصر القلم أخيرا، بعد زمن طويل من المجد المؤقت للسيف.

وربما لم تكن مأساة المثقف العربي أنه ضعيف فعلا، وإنما لأن المجتمعات لم تعد ترى القوة إلا في صورتها الصاخبة.

فالعالم الذي يحمل السلاح يبدو أكثر حضورا من الذي يحمل فكرة، والضجيج أكثر تأثيرا من التأمل، والسلطة أكثر هيبة من المعرفة.

لذلك قال المتنبي:«توهم القومُ أن العجز قربنا … وفي التقرب ما يدعو إلى التهم»وكأن المشكلة تكمن في سوء تأويل الهدوء والحكمة والقوة الكامنة.

فثمة قوى لا تظهر في الاستعراض، وإنما في القدرة على بناء الإنسان والمعنى والتاريخ.

غير أن المجتمعات المأزومة كثيرا ما تكتشف هذا النوع من القوة متأخرة، بعد أن تدرك أن السيف يستطيع حراسة الحدود، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع مجدا حضاريا.

ولعل المتنبي بلغ ذروة بصيرته حين قال:«ولم تزل قلةُ الإنصاف قاطعة … بين الرجال ولو كانوا ذوي رحمِ»فالأزمات الكبرى تبدأ من اختلال ميزان الإنصاف، وليس من نقص الإمكانيات، وذلك حين تعجز المجتمعات عن رؤية القيمة الحقيقية للإنسان خارج معايير النفوذ والسطوة والضجيج.

وعند تلك اللحظة يتراجع العلم إلى الهامش، ويبهت حضور المعنى، وتفقد المعرفة مكانتها الرمزية، فينشأ شرخ خفي بين المجتمع وروحه.

إن الحضارة في جوهرها، ليست تراكما للقوة وحدها، وإنما تتجلى في القدرة الأخلاقية على إعطاء كل قيمة مكانها العادل؛ أن يُكرَّم حامل الفكر، كما يُكرَّم حامل السلاح، وأن يُنظر إلى المعلم بوصفه شريكا في صناعة السيادة، لا شاهدا على تراجعها.

وحين يختل هذا التوازن، لا تخسر المجتمعات مثقفيها فقط، بل تخسر قدرتها على تخيل المستقبل نفسه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك