العربي الجديد - "الدعم السريع" تقتل 5 مدنيين وتحرق 8 قرى في شمال دارفور CNN بالعربية - أول تعليق من إيران بعد التوصل لاتفاق مع أمريكا: هذه البنود تنفذ فورًا العربي الجديد - الشركات البريطانية هدف لموجة استحواذ واندماج من منافستها الأميركية BBC عربي - سم الفئران يقتل طفلا بدلاً من القوارض في غزة العربي الجديد - 3 أسباب وراء تراجع الأسهم الأوروبية أمام مكاسب الأسواق العالمية قناة الجزيرة مباشر - رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري: قطر ستبقى داعما لكل ما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار الدوليين العربي الجديد - باكستان تعلن عن اتفاق سلام.. وترامب يأمر برفع الحصار عن إيران العربي الجديد - اليابان تنتزع التعادل من هولندا وآسيا تواصل فرض حضورها في المونديال إيلاف - إيران تتخلى عن طموحها النووي BBC عربي - "هكذا بدأ الحلم الفنلندي يراودني": تحقيق لبي بي سي يكشف استغلال وكالات تعليمية وسيطة لأحلام الشباب الطامحين إلى حياة أفضل
عامة

في رواية «أغالب مجرى النهر»: حين لا ينتهي الماضي

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

لعل مسألة انقلاب الرفاق على بعضهم بعضا من المشاهد التي تتكرّر في كل الثورات أو المراحل الحاسمة من عمر الدولة، التي تشكّل منعطفا حادا لا يختلف عن مفهوم الثورة من حيث التصادمية والرغبة بالتغيير الجذري. ...

لعل مسألة انقلاب الرفاق على بعضهم بعضا من المشاهد التي تتكرّر في كل الثورات أو المراحل الحاسمة من عمر الدولة، التي تشكّل منعطفا حادا لا يختلف عن مفهوم الثورة من حيث التصادمية والرغبة بالتغيير الجذري.

والتاريخ يؤكد هذه المقولة في أكثر من موضع: في زمن الخليفة العباسي المهدي الذي لاحق الزنادقة وضيّق عليهم وقتلهم قتلا شنيعا، كانت تهمة الزندقة وسيلة لتصفية الخصوم أحيانا، وفي الثورة الفرنسية أعدم روبسبير آلاف الفرنسيين بتهمة معاداة الثورة، وكثير منهم كانوا من خصومه السياسيين، وفي حرب التحرير الجزائريّة كانت تهمة العمالة حاضرة بين الرفاق عند اختلاف وجهات النظر.

والمقصود هنا أنّ الثورة تشتمل على جانب شعوري أو عاطفي قوي، بالإضافة إلى طابعها الأبرز وهو العنف، وبالتالي الثائر فيه نزق وقد لا يحتمل الاختلاف في الرأي، لأنه يضحّي بروحه، يضحّي بكل شيء في سبيل الثورة، في عقله الباطن لا يريد أن يساوم لأنّ المساومة تعني التخلي عن أهدافه التي كرّس حياته لها.

شهلة البرق تتهم عزوز الخالدي بالعمالة، وتلغي كل تاريخه النضالي لرفضه تفجير مقهى شقيقه الذي يرتاده فرنسيون.

تتحوّل هذه القضية إلى مفصل مهم من مفاصل الرواية، وعزوز ليس الضحية الوحيدة في هذا السياق، هناك عكوري، محجوب الأعور، عين الهر وغيرهم ممن يسعون لتبرئة أسمائهم مما لحق بها ظلما وزورا.

بطبيعة الحال ليس كل من التصقت به التهمة بريء منها، لكن شخص واحد بريء يعني أنّ الظلم قد وقع.

بالمجمل: الثورة فعل كبير، وبالتالي رد الفعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، كما يشير القانون الفيزيائي المعروف.

الرواية غير معنيّة بالأبيض والأسود، بل هي معنيّة بكل الألوان ما عداهما.

كل شخصية تنظر للأمور من زاوية خاصة بها، وهذه النظرة بالمطلق ليست من الخير الخالص ولا من الشر المبين، بل هي في منزلة بين منزلتين.

عقيلة طبيبة العيون تنزع قرنيات الموتى في المشرحة، من دون موافقة أهل الميت، وتزرعها في عيون من هم بحاجة إليها من الأحياء بمقابل مادي تتقاسمه مع زوجها المسؤول عن المشرحة.

هذا الأمر مرفوض قانونيّا وأخلاقيّا، لكن المسألة الإنسانية يمكن نقاشها أو مقاربتها من أكثر من زاوية: أن نعيد البصر لشخص مهدّد بفقده أمر فيه حس إنساني عالٍ، وفي المقابل، حرمة الميت جزء من إنسانيتنا التي لا تتجزأ.

أين نقف من هذا الأمر؟ ليس هناك أسئلة سهلة ولا أجوبة مباشرة مثل كل أسئلة الحياة التي تقف في وجهنا مثل صخرة كأداء.

ويجري هذا الأمر من تصارع بذرتي الخير والشر في الإنسان على شخصيات كثيرة في الرواية، بمن فيهم مخلوف تومي وميلود وياقوت وحتى ثامر القواد والسارق نراه يعطف على أخيه المقعد ويهتم به ويؤثره على نفسه.

وعلى سبيل الحبكة والبناء جاء السرد متماسكا والبناء فسيفسائيّا متداخلا بمعنى الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لربط الأحداث والشخصيات.

لم يكن هناك فائض لغوي وإن ظهر تكرار فهو مقصود بعينه لخدمة بناء الشخصية وبيان أبعادها النفسيّة والاجتماعيّة.

ومن وجهة نظري فإنّ هذا التشابك المعقّد في مسارات الشخصيات ومصائرها، كان من المحطات المضيئة في رحلة الرواية نحو الفوز.

ما بين الشخصي والمجتمعي نسج سعيد خطيبي خطوط سرده بصبر وأناة، ترك الحدث ينمو وينساب ويتغلغل في نفوس شخصياته وعقولهم، لم يجبرهم على فعلٍ ما، بل تركهم ينطلقون من أفكارهم وهواجسهم ليصلوا إلى حيث أراد لهم الوصول.

تعكس الرواية تجاذبات واضحة بين المركز والأطراف، وتذبذب العلاقة بينهما خاصة في بلد شاسع مثل الجزائر المسافة بين أقصى شماله وأقصى جنوبه تصل إلى 2100 كلم، وما شخصية الصحافي بودو المناضل السابق الذي يعمل في التلفزيون في العاصمة، وتطلُّع عزوز ورفاقه إليه لتبرئة ساحتهم مما نسب إليهم، وأيضا تطلُّع الطبيبة عقيلة إليه ليقنع المسؤولين بإنشاء كلية طب في المدينة، سوى صورة من صور هذه العلاقة الملتبسة بين الشعور بالتهميش وثقل المركز، تقابله ضغوطات من جميع الأطراف وضرورة توزيع الخدمات بأحقيّة واضحة.

موت بودو يعمّق من حدّة المشكلة ويشير إلى أنّ الأمور ستبقى على حالها ولن يتغيّر شيء في المدى المنظور.

المفارقة التي أشارت إليها الرواية في سخرية مبطّنة أنّ المركز يحصل في النهاية على كل شيء بما فيها قبعة تشارلي شابلن.

من حيث الضمير السردي، فقد جاء موزعا بعناية وهندسة بين ضمير المتكلم (الشخصية) وضمير الغائب (الراوي العليم)، لكن ما جاء مختلفا هو سرد ميلود الذي ظهر بخط غامق، وبين علامتي تنصيص ومحدد من جهة اليمين فقط، ليحاكي كتابة اليد.

الأمر الآخر الذي قلما يظهر في أعمال سردية هو رسومات الطفلة مينة التي كانت تعبّر فيها عن مشاعرها وانطباعاتها تجاه ما يحدث.

ظلت حادثة تشارلي شابلن مع عزوز الخالدي تعود إلى الواجهة كل حين مع أنها قد تبدو في إطارها العام حادثة بسيطة ولا تستحق كل هذا الاهتمام، لكن لو أمعنّا النظر فيها لوجدنا أنّها تشير إلى مرحلة مهمة من حياة المجتمع قبل أن تعصف به التغييرات الصادمة، والرواية في طرحها العام تحاول استنطاق الأجيال المتعاقبة: جيل ما قبل حرب التحرير (والد عزوز)، وجيل الحرب (عزوز) وجيل ما بعد الاستقلال (ميلود).

ماذا قدّم كل جيل؟ وكيف تغيّرت نظرة المجتمع لمفاهيم مجتمعية أساسية كانت في السابق مقبولة أو على الأقل لم ينظر إليها أحد بعين السخط، ثم أصبحت من الخطوط الحمر، التي يجب عدم تجاوزها، وربّما كان هذا التغيّر محكوما بخطاب الثورة الذي مال إلى التوجه الديني لشحذ النفوس والتعبئة العامة.

ومن الملاحظ أيضا أنّ الرواية حافظت على مركزيّة الثورة، مع أنّها تعرض لأكثر من جيل كما أسلفنا، هواجس الشخصيّات وأفعالهم وردود أفعالهم مرتبطة بالثورة حتى لو لم يشاركوا فيها من جيل مخلوف وعقيلة وميلود.

كل شيء يبدأ من هناك وينتهي في اللحظة الراهنة، أو بالأحرى تظهر نتيجته أو ارتداده في الوقت الحالي؛ فالتاريخ لا ينتهي والتاريخ لا يرحم، وما زرعه الآباء يجنيه الأبناء، وحتى جريمة القتل التي تشابكت عندها الخطوط لم تكن بريئة من ارتباطها بالثورة.

عكوري، طاطا نوسة، مخلوف تومي، محجوب الأعور، عزوز الخالدي، شهلة البرق، بودو وياقوت شخصيات مرتبطة بماضيها أكثر من ارتباطها بحاضرها.

من قتل مخلوف تومي؟ ليست المسألة المحوريّة في السرد، بل واجهة استخدمها الروائي للبحث والتنقيب والنبش بالماضي القريب لاستحضار حقبة مفصليّة شكّلت ضمير الشعب ومستقبل البلد.

الثقافة المجتمعيّة بما فيها اللهجة الجزائرية الودودة (ربما هناك أكثر من لهجة محليّة) وتحوّلات المجتمع طفت على سطح السرد بانسيابية وهدوء رائقين، بحيث أصبحت شخصية المجتمع وأسلوبيّة التفكير واضحة المعالم من خلال الأمثال السارية بين الناس، والاعتقاد بالخرافة والمقولات المتداولة، ثم ظهرت تحولات المجتمع الحادة التي مالت إلى المحافظة والتدين والعنف.

وعلى سبيل المثال، نرى هذا التفاوت الفادح في وجهات النظر بين عقيلة وأمها التي تقول: «إنّ أنوثة المرأة في رحمها وكل ذات رحم عليها أن تنجب»، بينما ترفض الابنة هذا الطرح وتعرض عنه.

«أغالب مجرى النهر» رواية تنحاز لقوة التاريخ كرافعة أساسية للحاضر والمستقبل.

نضجت على نار هادئة، مدّت خيوطها في كل الاتجاهات، وقالت ما أرادت قوله بلغة متينة ومشرقة ونحن نحاول تتبع كل خيط فيها من بدايته إلى نهايته.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك