كانت سنة 1936 في الجزائر، حافلة بالأحداث التاريخية، وحبلى أيضا بما يمكن أن تتمخض عنه من وقائع تاريخية.
ومن جملة هذه الأحداث، دعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى مؤتمر يضم المسلمين الجزائريين من أجل صياغة أرضية مشتركة تفصح عن حقيقة الشعب الجزائري، وماذا يريد لأمته في صلته بالحكم الفرنسي القائم.
فقد تحققت الدعوة إلى المؤتمر في المقال المنشور، بتاريخ 3 يناير 1936 في جريدة «الدفاع» التي كانت تصدر باللغة الفرنسية، وتحقق انعقاد المؤتمر في يوم 7 يونيو من السنة ذاتها، أي مرّتَ عليه تسعون سنة كاملة.
الوضع العام الذي ساد ثلاثينيات القرن الماضي لخّصه الحاكم العام الفرنسي السابق موريس فيوليت، في مؤلفه المفَصّل «الجزائر، هل لها أن تعيش»، والسؤال ينسحب على الفرنسيين كما على الجزائريين المسلمين، الذين بدأوا يفكِّرون في وضعيتهم وفي صلتها بالفعل الاستعماري ورد فعل الأهالي، كما كانت تصفهم الإدارة/السلطة.
ما تحيل إليه هذه الوضعية هو أن الأمر أضحى يتعلق بالمركز القانوني والسياسي والاجتماعي للسكان المسلمين، في ظل التشريعات الفرنسية التي لم تعد تستوعب الحالات والتطورات الجديدة، بل تفاقمت الوضعية التي سارع أحد الكتّاب الجزائريين، مدير جريدة «صوت الأهالي» إلى كتابة سلسلة مقالات تُحذّر السلطات الفرنسية من الحركة الإصلاحية، ممثّلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان يترأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس.
الحالة الجديدة التي تمخَّضت عنها سنوات الثلاثينيات من القرن العشرين، هي أن مقوِّمات الأمة الجزائرية من دين إسلامي ولغة عربية، صارت مجالا لإمكانية التعبير السياسي وإن بطريقة غير معهودة في المجتمعات والدول المستقلة على أساس من مقومات الأمة كقاعدة للدولة.
وعليه، فإن دعوة الشيخ ابن باديس هي من هذا الصنف الذي يلعب الدور السِّياسي بالمعنى الذي يشير إلى أن مقومات الأمة يجب أن توضَّح بفعل الحياة العامة والمؤسسات العمومية في إطار من السلطة الحاكمة، التي لا تلبث أن تَتَعَدَّل وتَتَغَيّر مع الوقت، كما شرحها ابن باديس في مقالات أخرى بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مايو 1931، وبعد انعقاد المؤتمر في يونيو 1936.
ظهرت دعوة الشيخ ابن باديس تحت عنوان «مطالبنا»، معبِّرة عن وجهة نظر الحركة الإصلاحية، ممثلة في جمعية العلماء المسلمين، ومن ثم فهي مطالب من جملة مطالب تقدم بها ممثلو الأهالي في الهيئات التمثيلية خاصة على صعيد البلديات وبعض الشخصيات الحرة، ومنهم بعض الفرنسيين، على اعتبار أن المسألة تهم وتعني الجميع، ليس بين السُّكان فقط، بل بين الإدارة العليا في الجزائر وفرنسا، والمسلمين الجزائريين أيضا.
واستهل ابن باديس مطالبه بما كان ينقص المقترحات التي تَقَدَّمته، والتي نشرت منذ نهاية 1935 في جريدة «الدفاع»، المَنْبَر الجديد في الساحة الإصلاحية، الذي صار يحتل مكانة معروفة وواضحة في مجال الصحافة والرأي والوعي السياسي بالإصلاح الديني.
في جو هذه الظروف المحلِّية ساد مشروعان لإصلاح وضعية الأهالي المسلمين في الجزائر، هما مشروع موريس فيوليت ومشروع غرنو، حاول كلٌ من جهتِه أن يرتِّب بعض الشروط لاستحقاق الجنسية الفرنسية كإجراء لمزاولة الحقوق والحريات العامة المتاحة للمواطن الفرنسي.
يقول في هذا الصدد ابن باديس: «المشروعان لا يقدمان في حقيقة الأمر إلا حلولا جزئية لمشكلة حادة تحتاج إلى البت فيها بشكل حاسم ونهائي، لفائدة الحاكمين والمحكومين على السواء، وفقا لمبادئ الشعار الذي رَفَعْتُه: الإنصاف، العدالة، الأخوة»، (كما هو واضح في جريدته ثم مجلته «الشهاب»).
إن اقتراح نظام آخر لا يقع على كاهلي وحدي، لأن المسألة عظيمة وثقيلة.
إن تحديد نظام سياسي للمسلمين الجزائريين مسألة حيوية وحسّاسة يجب أن لا تُنَاط بشخص واحد مهما كانت قيمته وسلطته، ولا تُسْنَد إلى هيئة واحدة مهما كان نفوذها وسمعتها على الجمهور.
وإنما يُعهد الأمر كلّه إلى جميع الأطراف الممثِّلة للمسلمين وقادة الرأي ورجال السياسة والعلماء (أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، المنْتَخَبِين (أعضاء فيدرالية المنتخبين المسلمين) ورجال القضاء الإسلامي والأساتذة والمعلمين.
».
ويضيف: «هؤلاء كلهم مؤهلون لإبداء رأيهم في هذه النقطة المهمة، ومن ثم فلا غنىً عن الدعوة العاجلة إلى مؤتمر يعقد في العاصمة، أو في غيرها من المدن، ويفتح فيه نقاش واسع، يتوَّج في النهاية بالإجماع على صيغة سياسية، تُحَدِّد مصير ستّة ملايين من المسلمين وتُخِرجهم من المأزق الذي يعيشون فيه: فهم مرة فرنسيون، لكنهم لا يتمَتَّعون بالحقوق الملازمة لهذه الصفة، ومرّة يعاملون كأجانب في وطنهم الجزائر».
ما يمكن أن يلاحظ على هذه الفقرات هو صدورها عن شخصية امتلكت الوعي الكبير بالمسألة الأهلية في صلتها بالمسألة الاستعمارية والترابط العضوي، الذي صار يلازمهما بسبب حدة وكثافة الوضع السياسي المعقد وأضحت تطرح في الأوساط الجزائرية، كما الفرنسية بالمحنة الجزائرية، وصار الطَّرفان معا بإمكانهما أن يُدْليا بالحل واقتراح المخرج من الأزمة.
الحقيقة التي يجب أن تظهر في هذه الفقرات الواضحة من مطالب ابن باديس هي، أن المؤتمر المرجو عقده في القريب العاجل هو لقاء سياسي بامتياز، لأن كل شيء صار سياسة حتى تلك التي تتعلق بالدين واللغة العربية والتعليم الحر، المجال الذي تولاه ابن باديس مع رفاقه في جمعية العلماء.
فقد تَقَدّم بمطالبه على خلفية أنه واحد من كل، يجب أن يتولى زمام صياغة مطالب «الشعب الجزائري» على ما يَرِد بشكل واضح في نتائج المؤتمر المنعقد في 7 يونيو 1936: «كراس مطالب الشعب الجزائري».
والقراءة التي تستشف المعاني من الكلمات، أن بنود هذا الميثاق تؤكد حقيقة الأمة الجزائرية العربية والمسلمة، التي لا تقطع مع فرنسا المدنية والحضارة والجمهورية القائمة في المتروبول بالمعنى الذي يشير إلى «قانون واحد للجميع»، وأن قوام الدولة هو الشعب الواحد، وليس نظام الميز والفصل العنصري القائم في الجزائر، الذي يحتكره المعمرون مع موظفي الاستعمار.
حظيت دعوة ابن باديس إلى المؤتمر الإسلامي بالقبول من الجميع، إلى حد أنها أسست الاجتماع السياسي لدى الشعب الجزائري، أي لدى الكتلة السُّكانية التي ترفض الإدارة الاستعمارية إطلاق صفة الشعب عليها، كما ترفض خَلْع صفة الجزائريين عليها، واحتكرتهما، بحكم الممارسة السياسية الظالمة لنفسها، كإجراء للاستيطان والاحتلال والسيطرة.
ومن فائض هذا الوضع الجديد بالنسبة للنخبة الجزائرية، أن الدعوة مع المؤتمر عبّرا عن وعي لافت في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، أهم خاصيته أن لحظة المؤتمر وتمخضاته وتداعياته وفّرت للشيخ ابن باديس مصداقية الشخصية المرجعية للأمة والإجماع السياسي حوله، وراح بعدها إلى توكيد حقيقة تاريخية عميقة في ضمير الجزائريين والجزائر، لأنه عرف منذ البداية كيف ينتمي إلى الجزائر، البلد والمجتمع والدين واللغة والعالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك