يمرّ الأردن في الأسبوع الثاني من حزيران 2026 بمنعطفٍ دقيق تتداخل فيه مسارات المشهد بشكل غير مسبوق؛ فبينما ترفرف رايات السيادة ابتهاجاً بالذكرى السابعة والعشرين لعيد الجلوس الملكي ويوم الجيش، وتتجه أنظار الأردنيين بفخرٍ واعتزاز صوب ملاعب المكسيك والولايات المتحدة حيث يسطر" النشامى" حضورهم التاريخي الأول في كأس العالم، يواجه الداخل اختباراتٍ قاسية على جبهات الأمن والمجتمع والاقتصاد.
إنه أسبوع يراوح فيه المزاج العام بين نشوة الإنجاز السيادي والكروي، وصدمة الجريمة المجتمعية، والقلق المعيشي المتأتي من قراراتٍ حكومية تفتقر للتوازن، وصالونات سياسية تعجّ بأسرار الخلافات والكواليس الرفيعة.
وعلى صعيد مطبخ النخبة والسياسة العليا، شهد هذا الأسبوع حراكاً عميقاً أعاد ترتيب الأوراق في" نادي الرؤساء"؛ إذ فتحت الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي من مجلس الأعيان الباب أمام قراءة سياسية مغايرة، سرعان ما اكتملت فصولها بصدور الإرادة الملكية السامية بتعيين رئيس الوزراء الأسبق عمر الرزاز وناديا أبو الشعر بدلاء في المجلس.
ويتزامن هذا التدوير مع حراك ملكي مكثف تمثل في استقبال جلالة الملك عبدالله الثاني لرئيس مجلس النواب العراقي لترسيخ التنسيق الإستراتيجي، تلاه لقاء وازن في قصر الحسينية مع نخبة من الاقتصاديين الأردنيين، حيث جاءت الرسالة الملكية صارمة في برودتها الدبلوماسية لتؤكد أن الاقتصاد الوطني أثبت مرونة فائقة وقدرة على كسر" الحصار الجيوسياسي" الناجم عن اشتعال الجوار الإقليمي.
بيد أن هذه الطمأنينة الملكية تصطدم في كواليس الدوار الرابع بواقع حكومي يواجه أزمة" تسويق وثقة" حقيقية؛ حيث تواترت الأنباء في الأوساط السياسية عن خلافات حادة ومكتومة داخل الطاقم الوزاري لحكومة الدكتور جعفر حسان، ترافقها إشاعات عن" تقريع شديد" لنهج التباطؤ في بعض الملفات الخدمية والإدارية.
وما زاد الطين بلة هو المشهد السريالي المحيط بملف" الـ 30 ديناراً"؛ ففي الوقت الذي وجهت فيه الحكومة بإدراج هذه الزيادة الشهرية المؤجلة في الموازنة القادمة لتبريد الجبهة الاجتماعية، جوبه القرار ببرود وتشكيك شعبي لافت لعدم الثقة بوعود مالية معلقة على غيب" تغير الظروف".
وعمّق هذا الاحتقان صدور توضيحات استثنت موظفي البلديات من الزيادة، مما كشف عن غياب التنسيق ووحدة المعايير، في وقتٍ كشف فيه الخبير موسى الصبيحي عن رقم صادم يوضح أن متوسط رواتب المتقاعدين بالضمان لا يتجاوز 382 ديناراً، بينما تبحث الحكومة عن توازنها الاقتصادي تحت مجهر بعثة البنك الدولي ــ التي زارت المندوبة رفيعة المستوى لعملياتها الأردن هذا الأسبوع ــ لمتابعة ملفات النمو، وإعادة هيكلة قطاع المياه عبر العدادات الذكية، وبحث أسباب بقاء ائتلاف واحد في مشروع" الناقل الوطني" الإستراتيجي.
وفي مقابل هذه التجاذبات الاقتصادية، مرّ المشهد الأمني والاجتماعي الداخلي بهزة عنيفة أثارت قلقاً عميقاً؛ إذ فُجع الشارع الأردني بـ" جريمة حسبان" المأساوية التي راح ضحيتها ثلاثة أشخاص في مركز تنمية اجتماعية، بالتزامن مع كشف الأمن للغز جريمة قتل ودفن غامضة شمال عمان، وفيديوهات مشاجرات شفا بدران، وضبط حدث مسلح بمسدس داخل مدرسة في المفرق، وصخب الأندية الليلية التي تقض مضاجع سكان جبل عمان العريق.
هذه الأحداث المتلاحقة دفعت النخب والصحافة لطرح تساؤل مؤلم ومزلزل: " هل نحتاج لفتى زرقاء جديد لكي نستفيق ونضبط المشهد ونكبح جماح البلطجة؟ "، لتبث رسالة مفادها أن الشارع استشعر نوعاً من التراخي, وأن" القبضة الأمنية" الحاسمة ضد الخارجين عن القانون باتت مطلباً شعبياً وجودياً لحماية السلم الأهلي، بعيداً عن روتين الإجراءات أو الاختباء خلف عباءة العطوات العشائرية المعقدة التي لم تصل لصلح حتى الآن في جرائم كبرى مثل جريمة ناعور.
وعلى النقيض من خطوط القلق الداخلي، يظل الجيش العربي والمؤسسة الأمنية صمام الأمان الحقيقي والدرع المتين للمملكة؛ فبالتزامن مع احتفالات عيد الجلوس الملكي ويوم الجيش، وما رافقهما من ترفيعات وتقاعدات واسعة النطاق لضخ دماء جديدة (كإحالة عدد من العمداء والعقداء للتقاعد)، أثبتت حماة الديار جاهزية قتالية واستخباراتية فائقة؛ حيث تمكن الجيش من اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه منطقة الأزرق دون وقوع إصابات، ليوجه الأردن رسالة سيادية قاطعة بأن سماءه ليست مشاعاً، ولن يُسمح بتحويل الوطن إلى ساحة حرب بالوكالة أو تصفية حسابات إقليمية، خاصة في ظل التوترات الدولية المحيطة باتفاق واشنطن وطهران وهجوم الصحافة الإيرانية على وزير خارجيتها.
هذا الاستنفار الجوي يوازيه استنفار بري مرعب على الحدود الشمالية والشرقية، حيث أحبط الجيش منذ بداية عام 2026 وحتى اليوم 231 محاولة تسلل وضبط 11 مليون حبة كبتاغون، شملت إحباط 4 محاولات تهريب مبتكرة بواسطة" البالونات"، في حين يواصل العدو في الجبهة الغربية بث مزاعمه حول إحباط تهريب أسلحة من الأردن للضفة الغربية.
وسط هذه الأجواء المشحونة بالسياسة والأمن، برزت الرياضة كطوق نجاة ومتنفس شعبي يعزز الهوية الوطنية الجامعة؛ إذ يعيش الشارع الأردني حالة من" النشوة المونديالية" غير المسبوقة مع انطلاق كأس العالم 2026 وتزيّن ملعب" أزتيكا" في مكسيكو سيتي بالعلم الأردني.
وقد منحت المتابعة الشخصية الحثيثة لسمو ولي العهد وتفقده لتدريبات" النشامى" في سان دييغو بأمريكا، وإطلاقه لعمل إبداعي يدمج سحر الأردن بفخر المنتخب، الشارع طاقة إيجابية هائلة؛ ورغم تصريحات المدير الفني" سلامي" الواقعية حول قوة المجموعة وأن الوديات كانت للتحضير، ورغم إصابة اللاعب صبرة بسبب أرضية الملعب، إلا أن الزخم الشعبي بلغ ذروته مع بدء الأمن العام بتوزيع ملصقات تشجيعية، وتخصيص وزارة الشباب لـ 60 مركزاً لمتابعة المباريات، ليبرز هنا الرهان التسويقي والسياحي الذي تحدث عنه وزير السياحة، ومعه تساؤل الشارع اللوجستي حول كيفية تعامل الدولة مع بث مباريات النشامى الفجرية بفارق التوقيت، ومدى مرونة فتح المقاهي والمساحات العامة أبوابها.
إن تفكيك هذا" البازل" المعقد يفرض على أصحاب القرار وصناع السياسات التحرك الفوري وفق مقاربة حازمة لا تحتمل التأجيل أو الارتجاف؛ إذ تبدأ أولى الخطوات بإعلان حملة أمنية شاملة وعاجلة تحت شعار" صفر تسامح" لاجتثاث بؤر البلطجة والأسلحة المنفلتة، وإغلاق الأندية الليلية المخالفة للسكينة العامة، لتوازي الهيبة الأمنية في الداخل الجاهزية العسكرية المشرّفة على الحدود وتُعيد دفء الطمأنينة إلى قلب المواطن.
وعلى المسار الحكومي، بات لزاماً حسم تصدعات الفريق الوزاري وإنهاء الخلافات المكتومة فوراً، والتوقف عن سياسة الوعود المالية المؤجلة كالـ 30 ديناراً التي أثبتت أنها تعمق فجوة الثقة، مع ضرورة إيجاد بدائل تمويلية وطنية وعربية لمشروع" الناقل الوطني" للمياه لضمان أمننا المائي السيادي وتفادي الارتهان لشروط ائتلاف وحيد.
وختاماً، يتوجب اقتناص هذا" الفرح المونديالي" وتسييله سياسياً واجتماعياً وسياحياً، من خلال مرونة أمنية وتشريعية تسمح بفتح فضاءات المشاهدة والمقاهي فجراً؛ فالهوية الوطنية التي تتوحد اليوم خلف علم الوطن هي الصمغ الحقيقي المتين الذي نحتاجه لتمتين جبهتنا الداخلية في وجه أعاصير الإقليم المشتعل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك