لم تكن المشكلة في انتقاد قطر أو مساءلتها في أثناء تنظيم كأس العالم 2022.
فاستضافة حدث عالمي بهذا الحجم تفرض على أيّ دولة قدراً عالياً من الشفافية والنقد والمراجعة.
لكنّ المشكلة بدأت حين تجاوز النقد حدوده المهنية، وتحوّل إلى محاكمة انتقائية لهُويّة الدولة وثقافتها، لا لتجربتها التنظيمية وحدها.
فقد عُوملت قطر بوصفها دولةً عربيةً صغيرةً من خارج المركز الغربي، كما لو أنّها مطالبة أولاً بإثبات" أهليّتها الحضارية" قبل أن يسمح لها العالم بإثبات قدرتها على التنظيم والنجاح.
قبل مونديال قطر، تصدّرت قضايا العمالة الوافدة، والحرّيات، والمثلية الجنسية، وحقوق الإنسان، تغطيات صحافية وحقوقية واسعة.
فقد نشرت منظّمتَا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تقاريرَ متعدّدةً عن أوضاع العمّال المهاجرين والتمييز والقيود على حرّية التعبير والتجمّع في قطر.
وفي تجاوز للنقد الصحافي، اتخذ مشاركون (المنتخب الألماني) مواقف عُدّت موقفاً سياسياً لا رياضياً ضدّ قطر.
كان النقد، من حيث المبدأ، سيكون مشروعاً لو جاء ضمن معيار ثابت يُطبَّق على الجميع، لا ضمن انتقائية تتغيّر بتغيّر الدولة والهُويّة والموقع الجغرافي.
حين نجحت قطر، لم ينجح ملعب أو مطار أو شبكة نقل فقط، بل نجحت فكرة أنّ دولةً عربيةً من خارج المركز التقليدي قادرةٌ على إدارة حدث عالمي بهذا الحجمولكنّ قطر لم تكن محطّةً عابرةً في تاريخ كأس العالم، بل كانت لحظةً كاشفةً، فقد اعتاد العالم، عقوداً، أن يرى البطولة الكُبرى بوصفها حدثاً تحكمه رمزية غربية أو قريبة منها في التنظيم والمعايير والصورة، حتّى حين تقام خارج أوروبا.
أمّا قطر فقد قدّمت شيئاً مختلفاً: دولة عربية مسلمة صغيرة، تنتمي إلى الشرق الأوسط (يراد له أن يكون شرقاً إسرائيلياً هيمنةً وتفوّقاً)، واستطاعت أن تنظّم الحدث الرياضي الأكثر مشاهدةً في العالم، وأن تنقل معه جزءاً من لغتها وثقافتها وذاكرتها ورمزيتها إلى مركز المشهد العالمي.
لم يكن مونديال قطر مجرّد ملاعب حديثة وطرق ومترو ومطارات.
في نظر مشجعين ومتابعين كثيرين، قدّمت الدوحة نموذجاً أكثر قرباً من الناس، وأكثر دفئاً في التجربة اليومية.
كانت الملاعب قريبة، والتنقّل سهلاً، والحضور العائلي واضحاً، والأمن ملموساً، والاحتكاك بين الثقافات يجري في مساحة واحدة لا في مدن متباعدة.
لم يكن المشجّع مجرّد مستهلك داخل سوق رياضية ضخمة، بل جزءاً من تجربة اجتماعية وإنسانية متقاربة.
ولم يأتِ هذا الحضور القطري من فراغ.
فقبل كأس العالم، بسنوات، كانت قطر قد دخلت إلى بيوت الملايين عبر شبكة" بي إن سبورت"، التي أعادت رسم خريطة البثّ الرياضي في المنطقة والعالم، وكسرت احتكارات إعلامية طويلة في صناعة كرة القدم.
كما صار نادي باريس سان جيرمان، الذي فاز بكأس دوري أبطال أوروبا عامين متتابعين، بعد انتقال ملكيته إلى الاستثمار القطري، مثالاً على صعود القوّة الناعمة العربية داخل قلب أوروبا الرياضية.
لذلك، لم يكن مونديال قطر حدثاً منعزلاً، بل ذروة مسار أوسع من الحضور القطري في الإعلام والرياضة والاستثمار وصناعة الصورة.
وربّما لهذا السبب، لم يُنظر إلى نجاح البطولة نجاحاً تنظيمياً فقط، بل تحدّياً ضمنياً لصورة نمطية قديمة ظلّت ترى أن الإدارة والإبداع والتنظيم والحداثة امتيازات حصرية للمركز الغربي.
فحين نجحت قطر، لم ينجح ملعب أو مطار أو شبكة نقل فقط، بل نجحت فكرة أنّ دولةً عربيةً من خارج المركز التقليدي قادرةٌ على إدارة حدث عالمي بهذا الحجم، وفرض تجربة مختلفة على خريطة الاعتراف الدولي.
وليست هذه الازدواجية الإعلامية معزولةً عن تاريخٍ أطولَ من المركزية الأوروبية وبعض مروّجي الخطاب الغربي، وهي مركزية اعتادت أن ترى نفسها مالكة للمعيار، لا طرفاً خاضعاً له.
فجزء من هذا الخطاب لم يكتف بإنتاج المعرفة، بل نصّب نفسه وصياً على تعريفها: من هو المتحضّر؟ من هو المتأخّر؟ من يملك حقّ التنظيم؟ ومن يملك حقّ الكلام باسم الحقوق؟ ومن هنا لم تكن الحملة على قطر مجرّد نقاش حول العمال أو الحرّيات، بل كانت في بعض وجوهها امتداداً لنظرة أعمق ترى أنّ النجاح خارج المركز الغربي يجب أن يبقى مشروطاً، مراقباً، مطعوناً في أصالته.
لقد استخدمت اللغة المعرفية، في مراحل مختلفة من التاريخ، لتبرير الاستعمار الأوربي باسم التمدين، والهيمنة باسم التحديث، والتدخّل باسم حقوق الإنسان.
وما يحدث في المجال الرياضي ليس منفصلاً تماماً عن هذا التاريخ، فحين تنجح دولة من خارج المركز في تنظيم حدث عالمي، لا يقرأ نجاحها دائماً بوصفه إنجازاً مستقّلاً، بل بوصفه استثناءً يحتاج إلى تفسير، أو نجاحاً ينبغي تطويقه بسردية أخلاقية مضادّة.
اليوم، ومع تنظيم كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بدأت تظهر قضايا لا تقلّ حساسيةً: التأشيرات، إجراءات الدخول، أسعار التذاكر، عبء التنقّل بين المدن، بل مُورس التفتيش بانتقائية على بعض المنتخبات في المطارات الأميركية، كما حصل مع المنتخب السنغالي، وكان هناك اضطراب في الحصول على التأشيرات.
فقد مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر آرتان، الحاصل على جائزة أفضل حكم أفريقي لعام 2025، من دخول الولايات المتحدة، ما أدّى إلى خروجه من قائمة حكّام البطولة.
وعلق رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، في هذا الشأن بأنّ قرارات الهجرة من اختصاص الحكومات الوطنية لا من صلاحيات" فيفا".
وليست المشكلة في وجود هذه التعقيدات وحدها، فكلّ بطولة كُبرى تواجه تحدّيات أمنية وتنظيمية ولوجستية.
المشكلة في الفارق بين طريقة التناول الإعلامي والنقدي.
فما كان يقدّم في قطر دليلاً على خلل أخلاقي أو حضاري، يقدّم اليوم في الحالة الأميركية باعتباره إجراءات أمنية أو مشكلات إدارية قابلة للاستيعاب.
وهنا، لا يعود النقاش عن الرياضة فقط، بل عن بنية الإعلام العالمي ومن يملك حقّ توزيع الإدانة الأخلاقية.
كما يكشف ملفّ التذاكر جانباً آخر من التفاوت.
فبحسب" رويترز"، دافع إنفانتينو عن أسعار التذاكر قبيل انطلاق البطولة، معتبراً أنّ السعر الابتدائي المُعلَن (60 دولاراً) منخفض مقارنةً ببعض أحداث رياضية كُبرى في الولايات المتحدة، بينما ظلّ الجدل قائماً بشأن ارتفاع كلفة الحضور ونظام التسعير.
وإذا أضيفت إلى هذا تكاليف السفر والإقامة والتنقّل في ثلاث دول واسعة المساحة، فإنّ البطولة قد تصبح من أكثر النسخ كلفةً وتعقيداً بالنسبة إلى الجمهور العادي.
وهنا تظهر المفارقة الأوضح: قطر، في نظر كثيرين، أعادت لكرة القدم شيئاً من معناها الإنساني، بينما تبدو نسخة 2026 مهدّدةً بالعودة إلى منطق الرأسمالية الشرهة، إذ تتحوّل البطولة إلى سوق هائلة للتذاكر والفنادق والطيران والتنقّل، ويصبح المشجّع العادي الحلقة الأضعف في سلسلة مالية ضخمة.
وإذا كانت كرة القدم قد وُلِدت في الشارع والساحات الشعبية، فإنّها اليوم مهدّدة بأن تصبح حدثاً للأثرياء فقط، محكومةً بمنطق السعر لا بمنطق الشغف.
لماذا يصبح خطاب حقوق الإنسان صارماً أمام الضعفاء، وناعماً أمام الأقوياء؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك