الجزيرة نت - مباراة الأردن ضد النمسا في كأس العالم 2026 وكالة شينخوا الصينية - مقالة خاصة: الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا جديدة للتوظيف في الصين العربي الجديد - 107 أيام من الحرب والمفاوضات بين إيران وأميركا روسيا اليوم - لقطة لافتة في المونديال.. العياري يسجل ولا يحتفل أمام تونس القدس العربي - غراهام “قلق” من اختلاف رؤية إيران لاتفاقها مع الولايات المتحدة مقارنة بإدارة ترامب وكالة شينخوا الصينية - بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ترحب باتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران وتبدي استعدادها لرفع العقوبات قناة الجزيرة مباشر - UK intercepts Russian oil tanker suspected of belonging to shadow fleet and detains it pending in... قناة التليفزيون العربي - الرئيس ترمب يؤكد أن مضيق هرمز سيُفتح دون رسوم وأنه يجب التوصل إلاتفاق نووي أو ستعود الحرب!! قناة الجزيرة مباشر - حزب الله ينشر مشاهد لاستهداف موقع بلاط جنوبي لبنان سكاي نيوز عربية - الحكم الصومالي يختبر سياسة ترامب.. الأمن يتقدم على الرياضة
عامة

إسرائيل والنظام الإقليمي بعد حرب إيران

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

على الرغم من النجاح الإسرائيلي المُتكرّر في توظيف الأزمات الدولية والإقليمية، في توطيد مكانتها الدولية وتعزيز نفوذها في دوائر صنع القرار الدولي، فإنّ تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران (28 ...

على الرغم من النجاح الإسرائيلي المُتكرّر في توظيف الأزمات الدولية والإقليمية، في توطيد مكانتها الدولية وتعزيز نفوذها في دوائر صنع القرار الدولي، فإنّ تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران (28 فبراير/ شباط 2026- 7 أبريل/ نيسان2026)، قد تشكّل" استثناءً مهمّاً"، يُغيّر مسار" النجاحات السابقة" للسياسة الإسرائيلية، على نحو يُؤذن، بتآكل الدور الإسرائيلي، لمصلحة الدورين التركي والإيراني، بالتوازي مع تصاعد تأثير" فاعلين جدد"، سيما الهند وباكستان، واستمرار الفاعلين من غير الدول (Non- State Actors)، خصوصاً حزب الله اللبناني والفصائل العراقية المسلّحة وحركة حماس الفلسطينية وحركة أنصار الله (الحوثيين) اليمنية، في التأثير على مسارات التفاعلات الإقليمية، وكذا على عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، الذي يختبر مساراً من" الاستقلالية النسبية" عن التوجهات الأميركية الإسرائيلية.

وبغية تحليل مكانة إسرائيل ودورها في النظام الإقليمي بعد حرب إيران، تستعرض هذه المطالعة مسار الدور الإقليمي الإسرائيلي صعودًا وهبوطًا، من" الحليف الأوثق" لواشنطن، إلى" العبء الاستراتيجي" عليها، ثم تحلّل تأثير الحرب على أدوار الهند وباكستان وتركيا وإيران، قبل أن تنهي بمقارنة سريعة بين مكانة إسرائيل بعد الأزمة الأوكرانية (2022)، وبعد حرب إيران (2026).

إسرائيل من" الحليف الأوثق" لواشنطن إلى" العبء الاستراتيجي"غنيٌ عن البيان، مدى تقاطع" الدور الوظيفي الإسرائيلي"، مع السياسات الأميركية تجاه إقليم الشرق الأوسط، خصوصًا في أوقات الحروب والأزمات الإقليمية، التي تسعى الدبلوماسية الإسرائيلية لتوظيفها لأقصى حد ممكن، لتحقيق أهدافها التوسعية (احتلال الأراضي العربية واستيطانها، وإضعاف محيطها العربي والإقليمي، وتشجيع حالة الانقسام/ الاستقطاب الإقليمي، والعمل على تفتيت الإقليم على أسس طائفية وعرقية).

وفي هذا السياق، ثمة ثلاثة عوامل تفسّر نجاح إسرائيل في توظيف الأزمات/الحروب الدولية والإقليمية؛ أولها التحالف الأميركي الإسرائيلي، الذي تم وصفه بحقّ بـ" العروة الأوثق"، كونه يكشف نمطاً فريداً من التحالفات في العلاقات الدولية، بين قوة عظمى ودولة صغيرة [1]؛ إذ راهنت واشنطن بعد حرب 1967، على إسرائيل؛ فتدفقت عليها المعونات والاستثمارات الأميركية، وجرى تسليح الجيش الإسرائيلي بطائرات" الفانتوم"، بدلًا من" الميراج" الفرنسية [2]؛ كما أسهم الدعم الأميركي، عبر سلسلة من المبادرات لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، ولفرض بنية أمنية إقليمية، في تحوّل إقليم الشرق الأوسط إلى" نظام إقليمي أميركي في جوهره" [3].

يتقاطع" الدور الوظيفي الإسرائيلي"، مع السياسات الأميركية تجاه إقليم الشرق الأوسط، خصوصًا في أوقات الحروب والأزمات الإقليميةيتعلّق العامل الثاني بالدبلوماسية الإسرائيلية" الهجومية النشطة"، خصوصًا بعد أحداث" 11 سبتمبر" (2001)، وتوظيف أدواتها الدعائية/ التحريضية، في" شيطنة" العراق وإيران والمقاومة الفلسطينية واللبنانية ثم الثورات العربية.

يتعلّق العامل الثالث بتراجع إمكانات" الإطار العربي" في النسق الدولي لمصلحة إسرائيل، نتيجة تآكل الدور الإقليمي المصري، بعد انخراط الرئيس أنور السادات في مسار التسوية المنفردة مع إسرائيل، ما أدّى إلى تراجع الاهتمام الرسمي العربي بقضية فلسطين، وانتعاش التطبيع العربي الإسرائيلي، سيما بعد اتفاقات أبراهام 2020، وتصدّر مسألة أمن إسرائيل وتفوقها العسكري على كل جيرانها مجتمعين، وانعدام التوافق العربي حول مصادر التهديد، والتفاوت بين اتجاه يضع إيران في منزلة" التهديد الأخطر"، بدلًا من إسرائيل.

في المقابل، فقد أدّى" التوحش الإسرائيلي" في حرب الإبادة على قطاع غزّة بعد طوفان الأقصى (7/10/2023)، إلى بروز نزعة تمدّد (overstretching) إسرائيلي إمبراطورية، فيها أبعاد أيديولوجية/غيبية/ مسيانية (تتغطّى بأوهام" النصر المطلق"، أو أحلام فرض" السلام الإسرائيلي" )، على نحو أفضى إلى تورّط إسرائيلي ضد مستويين؛ أحدهما الحاضنة الاجتماعية لقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية.

والآخر ضد الدول الإقليمية، خصوصًا إيران وتركيا.

أسهم الدعم الأميركي، عبر سلسلة من المبادرات لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، ولفرض بنية أمنية إقليمية، في تحوّل إقليم الشرق الأوسط إلى" نظام إقليمي أميركي في جوهره"وإلى ذلك، برزت خمسة تحديات أمام هيمنة المشروع الإسرائيلي التوسعي [4]؛ أولها محدودية القدرات والموارد والرؤى الإسرائيلية اللازمة لفرض هذا النوع من السلام.

وثانيها تضرّر صورة إسرائيل في العالم، سيما بعد" طوفان الأقصى".

وثالثها تغيّر البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد دخول تقنيات جديدة (مثل الصواريخ الباليستية، والمُسيّرات، والحرب السيبرانية[5]) إلى ساحة الحرب، بما يعني توسيع رقعتها لتشمل مناطق جغرافية لم تكن جزءاً من المسرح التقليدي للعمليات، وقدرة قوى غير دولانية على زعزعة الاستقرار الإقليمي.

ورابعها احتدام الصراع الإيراني الإسرائيلي، واحتمال صِدام إسرائيل مع قوى إقليمية وازنة مثل تركيا وباكستان، ما يعني تحول البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط إلى صورة أكثر خطورة وتعقيداً، على نحو يشكك في إمكانية فرض" السلام الإسرائيلي".

وخامسها، تحول غزّة وفلسطين" قضية محورية" في عالم القرن الحادي والعشرين، ما يقتضي الاستثمار العربي والإقليمي في هذا التحول لمصلحة قضية فلسطين.

ورغم أن حرب إيران (2026) ولّدت معادلات معقّدة، تتراوح بين التحديات والفرص، على نحو يعكس تفاعل عناصر القوة والضعف لدى دول الشرق الأوسط، فإن التوظيف الإيراني لمسألة إغلاق مضيق هرمز، رفع هذه المسألة إلى رتبة" القضية المحورية" في النظام الإقليمي، على نحو يزيد من القدرات التساومية الإيرانية في مواجهة واشنطن، التي ستلجأ غالباً إلى دفع فاتورة هذه المواجهة من" الحساب الإسرائيلي"، ما يعني تقييداً أكبر في مساحة الحركة الإقليمية لإسرائيل، التي بات واضحاً تحوّلها إلى" عبء استراتيجي" على السياسات الأميركية، خصوصاً نتيجة ثلاثة أمور أساسية؛ أولها أثر حرب إبادة غزّة على صورة إسرائيل العالمية، وخسارتها تعاطف الرأي العام، حتى داخل معاقل نفوذها التقليدية في دول الغرب، خصوصاً في الولايات المتحدة، وثانيها العدوان الإسرائيلي الغادر على الدوحة (9/9/2025)، الذي استجلب ضغوطاً إقليمية وأميركية على إسرائيل، وثالثها تداعيات حرب إيران (2026) على النظامين الإقليمي والدولي، سيما توليد أزمة طاقة عالمية جراء إغلاق مضير هرمز، وبروز قدرة حزب الله اللبناني على خوض" حرب استنزاف" مكلفة لإسرائيل.

الدور الهندي والعلاقات مع الطرفين الإسرائيلي والإماراتياتصالًا بالسياسة الأميركية تجاه إعادة تشكيل إقليم الشرق الأوسط عمومًا، وتجاه قضيتي إيران وفلسطين خصوصاً، ثمة من يفسّر حجم تورط واشنطن في حرب إبادة غزّة (بعد" 7أكتوبر" 2023)، بأثر هجوم الفصائل الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزّة، على إرباك الاستراتيجية الأميركية دوليّاً وإقليميّاً؛ إذ كان الرئيس جو بايدن يركّز، في سياساته الدولية، على أربعة عناصر؛ أولها محاصرة التوسّع الصيني، وثانيها تحجيم روسيا عبر دعمِ أوكرانيا، وعدم التسامح مع أي تردد تبديه الدول الأوروبية في هذا الصدد، وثالثها إعادة التماسك إلى حلف شمال الأطلسي" الناتو"، بالتوازي مع إرسال رسالة قوية إلى كل من موسكو وبكين لوقف تمدّد محاورهما دوليّاً، ولا سيما في آسيا وأوروبا.

ورابعها ضمان ولاء حلفاء واشنطن في إقليم الشرق الأوسط، مقابل ترتيب أوضاعهم، وعدم توجيه انتقادات إليهم في قضايا حقوق الإنسان، في مواجهة احتمالات توسّع النفوذين الصيني والروسي في الإقليم، وذلك عبر إعادة بناء" محور إسرائيلي عربي هندي أوروبي" موالٍ لواشنطن، ويمكنه ضبط الأمن والاستقرار في الإقليم، بعد دمج إسرائيل طرفًا فاعلًا ومقبولًا في تصورات الأمن والاستقرار الإقليميين" [6].

واستطراداً في التحليل، يبدو أن واشنطن لا تزال تعوّل على نيودلهي، لموازنة تصاعد النفوذ الصيني في الخليج العربي والشرق الأوسط عمومًا، وذلك عبر إدخال الهند حليفًا استراتيجيًّا مع إسرائيل والإمارات ضمن مجموعة" I2 - U2" (التحالف الأميركي الإسرائيلي الهندي الإماراتي)[7].

وإلى ذلك، يبرز أثر الدوافع الهندية الداخلية، في توطيد العلاقات مع إسرائيل والإمارات، خصوصاً منذ تولي رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، مقاليد السلطة في بلاده [8].

يبدو أن واشنطن لا تزال تعوّل على نيودلهي، لموازنة تصاعد النفوذ الصيني في الخليج العربي والشرق الأوسط عمومًاوثمّة من يرى في هذا السياق" انخراطاً هنديّاً" في إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بشكل عميق، حتى وإن لم يصل الأمر إلى حد المواجهة المباشرة مع السعودية أو إيران؛ إذ يتشكّل المثلث الهندي الإسرائيلي الإماراتي، في مواجهة صعود المثلث السعودي التركي الباكستاني، ما يعني أن توقيت زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إسرائيل 26 و27 فبراير/ شباط 2026، لم يكن عبثيًاً، كونه جاء عشية الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران [9]، ما يكشف طبيعة الاصطفافات الهندية في هذه المرحلة الحرجة من الصراع الإقليمي والدولي على ثروات المنطقة ومقدّراتها، على الرغم من محاولة الخطاب الدبلوماسي الهندي إقامة توازنات دقيقة في علاقاتها بأطراف الصراع كافة، من دون نجاح كبير في هذا الصدد [10].

الوساطة الباكستانية بين الفرص والقيودنظراً إلى انحياز الحكومة الهندية لإسرائيل، وأدوار نيودلهي الملتبسة في قضية فلسطين، فقد أبرزت تداعياتُ حرب إيران دورَ باكستان في الوساطة بين الطرفين الأميركي والإيراني؛ إذ اجتهدت إسلام آباد في البحث عن" تهدئة إقليمية"، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة التي تمرّ عبر مضيق هرمز، وتداعيات سياسات واشنطن وطهران في فرض السيطرة عليه بعد اندلاع الحرب أواخر فبراير/ شباط 2026، علماً أن الحكومة الباكستانية اضطرّت إلى اتخاذ إجراءات تقشّفية صارمة، شملت تقليص أيام العمل في القطاع العام، وإغلاق بعض المؤسّسات التعليمية؛ في ظل تحذيرات اقتصادية، من أن استمرار الصراع الإقليمي فترة طويلة قد يدفع الاقتصاد الباكستاني إلى" حافة الانهيار"، في حال لم يتم احتواء الأزمة سريعاً، خصوصًا بسبب اعتماد الاقتصاد الباكستاني على دعم صندوق النقد الدولي والقروض الخليجية [11].

وعلى الرغم من أهمية الدوافع الاقتصادية في الوساطة الباكستانية، فإن ثمة ثلاث ملاحظات إضافية تسهم في فهمها بشكل أعمق؛ أولاها أن باكستان تتميز بخاصية استثنائية في موقعها الإقليمي بالنسبة لإقليم الشرق الأوسط؛ إذ تدخل في حسابات ثلاثة موازين قوى في المنطقة، فهي جزء من موازين القوى بين الصين والهند، وبين الولايات المتحدة والصين، وبين الدول العربية وإيران [12].

اجتهدت إسلام آباد في البحث عن" تهدئة إقليمية"، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة التي تمرّ عبر مضيق هرمزوثانيتها ارتباط الوساطة بالتحوّلات البنيوية الأوسع التي يشهدها الإقليم، سيّما التداخل بين منطقتي جنوب آسيا والشرق الأوسط، خصوصًا في المجالَين الأمني والدفاعي، وتزايد الاتفاقات الدفاعية العابرة للأقاليم، بالتوازي مع تزايد الدعوات إلى بناء تحالفات أمنية مرنة، ومُتعدّدة الأطراف، وإعادة صياغة التصوّرات الأمنية وأُطر التعاون الدفاعي، بما يُسهم في إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الإقليميين.

ففي إطار هذا التداخل بين المنطقتين، يمكن تفسير الوساطة الباكستانية بوصفها أداةً لإعادة التموضع داخل شبكة التفاعلات الإقليمية، بغية توظيف الوساطة لتعزيز الشرعية الدبلوماسية وتوسيع هامش التأثير في مخرجات التوازنات الإقليمية، خشية إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي على نحو قد يرجّح كفّة إسرائيل والهند، بما قد يفضي، في المحصلة الأخيرة، إلى إضعاف وضع باكستان ذاتها.

ومن ثمّ، تغدو الوساطة جزءًا من استراتيجية أشمل لإدارة المخاطر الاستراتيجية، التي تتجاوز احتواء تداعيات حرب إيران، نحو السعي إلى التموضع داخل معادلات توازن إقليمي آخذة في التعقيد، ما يؤكّد نشاط الدبلوماسية الباكستانية في التعامل مع تداعيات التقارب/ التحالف الهندي – الإسرائيلي، عبر تفاهمات باكستانية مع تركيا والسعودية [13].

وثالثها مركزية دور المؤسّسة العسكرية في السياسة الباكستانية منذ استقلالها عن الهند عام 1947، وصعود نجم قائد الجيش الحالي، المشير عاصم منير، عبر مسار مهني طويل من دون انقلاب عسكري، وتوازن خطاباته وسعة علاقاته الدولية وسيطرته على مفاصل القرار الاستراتيجي في البلاد [14].

وعلى الرغم من توظيف إسلام آباد هذه الفرصة الدبلوماسية المواتية بعد حرب إيران، ونجاحها في الوصول إلى" تهدئة" صمدت قرابة شهرين، فإن الخشية من سياسة" التخريب المنهجي" الإسرائيلية لكل الجهود التفاوضية، تبقى عاملاً محوريّاً في التأثير على مسارات الوساطة الباكستانية، سيما في ظل متغيرين؛ أحدهما نجاح نتنياهو في توريط الرئيس الأميركي في هذه الحرب، والانقلاب على المسار التفاوضي، مرتين على الأقل (في يونيو/ حزيران 2025، وفي فبراير/ شباط 2026).

والآخر" الإصرار الإسرائيلي على فصل الجبهات في الحرب بين إيران ولبنان للاستفراد بالأخير، وتضمين أيّ اتفاق نهائي لوقف الحرب مع إيران تخلّيها عن موادها النووية المخصبة بنسبة 60%، ووقف التخصيب نهائيًّا على أراضيها، والتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية، الذي تعدّه إيران" خط دفاعها الأخير" في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وجميعها مطالب تجدها إيران غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ؛ ما يترك احتمال استئناف الحرب قائماً، رغم أن مصلحة الطرفين الأميركي والإيراني، ومن ورائهما العالم بأسره، تكمن في وقفها نهائيًاً" [15].

دور تركيا وسياساتها الإقليمية بعد الحربعلى الرغم من تأثّر تركيا مباشرةً بتداعيات الحرب، لا سيما في ما يتعلق بإمدادات الطاقة، فقد تجنّبت أنقرة الانخراط المباشر في الصراع، وعملت على دعم المسارات الدبلوماسية والحفاظ على توازن دقيق بين الأطراف، بما يحول دون انهيار النظام في إيران، أو إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، لمصلحة إسرائيل، فضلاً عن التحوط من التحولات المرتبطة بموثوقية المظلة الأمنية الأميركية، سواء من زاوية موقع تركيا داخل حلف الناتو، أم من منظور حسابات دول الخليج المجاورة.

واستناداً إلى رؤية تركيا لنفسها فاعلاً يمكن أن يستفيد من فرص الحرب، من خلال شبكات التنسيق والشراكات الأمنية والاقتصادية، فقد حافظت أنقرة على إدارة" توازن دقيق" بين الأطراف، على نحو يبقيها في قلب أية ترتيبات إقليمية ودولية لما بعد الحرب [16].

ورغم التنافس التاريخي بين أنقرة وطهران، وتحسّن المكانة الإقليمية لتركيا على مدار العقدين الماضيين، التزمت تركيا سياسة" التوازن والحياد الإيجابي"، فلم تدعم الحملة الأميركية الإسرائيلية، كما فعلت دول خليجية؛ في ظل قلق تركي إزاء تنامي دور إسرائيل الإقليمي، وتصاعد نفوذها في واشنطن ولوبيات الضغط، وإدراك أنقرة أن حرب إيران هي جزء من جهد أوسع لإعادة تشكيل المنطقة عبر" سياسات القوة"، خصوصًا أن إسرائيل لجأت بعد سقوط الرئيس السوري بشّار الأسد، إلى قصف قواعد جوية في سورية، كانت تركيا تدرس استخدامها، فضلاً عن تعزيز إسرائيل تعاونها الدفاعي مع اليونان وقبرص، في سياق تحدّي المصالح التركية [17].

تجنّبت أنقرة الانخراط المباشر في الصراع، وعملت على دعم المسارات الدبلوماسية والحفاظ على توازن دقيق بين الأطرافوعلى الرغم من تصاعد انتقادات السياسة التركية للسلوك الإقليمي الإسرائيلي، وتصاعد خطاب التحريض الإسرائيلي لواشنطن على تركيا، من الصعب على تل أبيب، مهما فعلت، تجاوز موقع الدورين التركي والإيراني في إقليم الشرق الأوسط، وقدرتيهما على تحديد مسارات الإقليم، الحالية والمستقبلية، علماً أن من مصادر قوتيهما إدراك المفهوم العميق للأمن القومي، والاستثمار في البحث العلمي، سواء في المجال المدني أم الطبي أم الغذائي أم العسكري، المرتبطة جميعاً بالتقدّم الصناعي، على نحو ما يكشفه تفوّق الدولتين في صناعة الطائرات المُسيَّرة (Drone)، التي باتت تلعب دوراً كبيراً في الحروب، خصوصاً بعد الحرب الروسية على أوكرانيا (منذ 24 فبراير/ شباط 2022).

وعلى الرغم من اختلاف السياسات الإقليمية لتركيا عن إيران، ووجود مساحات تباين، بل" تنافس صراعي" أحياناً، فإن لديهما قدرة على إدارة خلافاتهما، حفاظاً على مصالحهما المشتركة التي تشمل في الحد الأدنى، " التجارة المزدهرة في النفط والغاز، وحماية وحدة العراق، وكبح تطلعات إسرائيل العدوانية في إقليم الشرق الأوسط، وتقليل تدخل القوى الدولية في شؤون الإقليم" [18].

بالإضافة إلى رفض أنقرة وطهران السياسات الدولية في توظيف الملف الكردي، سواء في سورية أم العراق، خصوصاً على صعيد دعم المنظمات الكردية المسلّحة، على نحو ما طرحته أوساط أميركية في بداية الحرب على إيران في مارس/ آذار الماضي.

نظام إقليمي أكثر استقلالية عن واشنطن؟يمرّ إقليم الشرق الأوسط، في ظل حرب إيران 2026، في حالة مخاض عسير، تعكس ثمانية ملامح أساسية:1- أفرزت الحربُ أزمةً إقليمية دولية معقّدة، وكشفت تحوّلات مهمة في عدة جوانب؛ أساليب إدارة الحروب، وحدود القوة العسكرية، سيما في حال غياب الاستراتيجية الكبرى، وتطور الاستراتيجيات الإقليمية إلى حدود يمكنها مساومة القوى الدولية في بعض القضايا.

2- ترجيح استمرار معضلات العلاقات الأميركية الإيرانية، بسب غياب" الحسم العسكري السريع"، بالتوازي مع" الاستعصاء التفاوضي الممتد"، ما يعني استمرار تداعيات المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظامان، الإقليمي والعالمي، عدة سنوات أخرى، وبالتالي احتمال تصاعد الصراع الإيراني الإسرائيلي مع غياب الحلول الجذرية لأغلب القضايا الإقليمية في المنطقة.

3- أبرزت الحربُ الدورين الهندي والباكستاني، ضمن تنامي التداخل بين منطقتي جنوب آسيا والشرق الأوسط، سيما في المجالَين الأمني والدفاعي، وتزايد الدعوات إلى بناء تحالفات أمنية مرنة، ومُتعدّدة الأطراف، وإعادة صياغة التصوّرات الأمنية وأُطر التعاون الدفاعي، بما يُسهم في إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الإقليميين.

4- صعود الدوريْن الإيراني والتركي، واكتشافهما" أوراق قوة" يمكن الضغط بها لتحقيق مصالحهما ومشروعيهما في الإقليم، بالتوازي مع تراجع أدوار القوى العربية الرئيسة في الإقليم، خصوصًا مصر، وتآكل أدوار الدول الخليجية الصغيرة (الإمارات والكويت والبحرين)، في مقابل ارتباك الدور السعودي، لمصلحة تأكيد الدور العُماني في الوساطات والمساعي الدبلوماسية في القضايا الإقليمية.

لعبت المقاومة الفلسطينية، خصوصًا بعد" 7 أكتوبر"، دوراً محورياً في إضعاف مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية، عبر استنزاف صورتها5- تباين التوجّهين الإماراتي والعماني بالنسبة لأمن الخليج وقضية مضيق هرمز؛ إذ تدعم أبو ظبي توجّه" التدويل"، الذي يعني تقارباً خليجيّاً أكبر مع السياسات الأميركية والإسرائيلية، في مقابل انحياز مسقط لتوجّه" أقلمة" أمن الخليج، وتعزيز التقارب بين دول الخليج وإيران، وكذا بين مصر وإيران، وتوظيف مقاربات انفتاحية/ تعاونية/ تكاملية على الصعيد الإقليمي، بما يُحسّن البيئة الاستراتيجية الأمنية في المنطقة برمتها، علماً أن المتغيّر المرجِّح بين هذين التوجهين، هو ما ستختاره السياسة السعودية؛ التي ستبقى" قاطرة مواقف/ سياسات دول الخليج العربي".

6- على الرغم من محورية الدور الإسرائيلي في تحريض واشنطن على شنّ الحرب، كشفت تطوراتها التحديات المتصاعدة أمام التحالف الأميركي الإسرائيلي، الذي يمرّ بمرحلة" اختبار حقيقي"، ستفضي إلى نتائج حاسمة بالنسبة لإسرائيل ومكانتها الإقليمية والدولية، في ظل ثلاثة أمور: بلوغ الدور الإسرائيلي" حدوده القصوى"، وعجز" القوة العسكرية الكاسحة" عن حسم حروب إسرائيل" الممتدة" لصالحها، سواء ضد قوى المقاومة، أم ضد الدول الإقليمية، خصوصًا إيران وتركيا.

تآكل" الاستقلالية النسبية" في القرار الإقليمي الإسرائيلي، وتكريس" التبعية الاستراتيجية الإسرائيلية" للتوجّهات الأميركية، سيما لإدارة ترامب، على نحو يؤكّد" الدور الوظيفي الإسرائيلي" في الإقليم.

دخول النظام الإقليمي في الشرق الأوسط" نمطاً مختلفاً" من الصراعات المفتوحة بين إسرائيل وعدة أطراف في الإقليم، رسمية وشعبية؛ فهناك صراع إسرائيلي إيراني" شبه مفتوح" على موقع" القوة الإقليمية الأولى عسكريّاً" من جهة، وبين إسرائيل والحاضنة الاجتماعية لقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية من جهة أخرى، ما يحرّك ويستفز البعد الاجتماعي/ الشعبي العربي، وصولاً إلى احتمال حصول حراك شعبي عربي جديد، وبين محور إسرائيل اليونان قبرص، ضد التعاون السعودي التركي الباكستاني من جهة أخيرة.

7- لعبت المقاومة الفلسطينية، خصوصًا بعد" 7 أكتوبر" (2023)، دوراً محوريّاً في إضعاف مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية، عبر استنزاف صورتها.

كما أحدثت أزمة متصاعدة في مسار العلاقات الأميركية الإسرائيلية، وكشفت زيف السردية الصهيونية عالميًّا، على الرغم من محدودية/ انعدام الدعم العربي والإقليمي للنضال التحرري الفلسطيني في ظل توجّه أميركي إسرائيلي متجدّد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، من دون أن تطور الدول العربية والإقليمية استراتيجيات" مضادّة" لوقف التغوّل الإسرائيلي.

8- رغم تصاعد التوظيف الإسرائيلي لتداعيات" طوفان الأقصى"، بغية إضعاف المقاومة الفلسطينية وخصوم إسرائيل في الإقليم، فإن حالة الارتباك الناجمة عن عدم القدرة على الحسم العسكري السريع في حرب إيران، ولّدت ديناميكيات جديدة في المنطقة، على نحو يزيد إمكانية التعاون الإقليمي، في مواجهة الضغوط الأميركية الإسرائيلية، وصولاً إلى تدشين" منظومة أمن إقليمي جماعي"، بين العرب والأتراك والإيرانيين، تقوم على ركيزتين: دعم قضية فلسطين وحقوق شعبها، وعزل إسرائيل ومعاقبتها ومحاسبتها، وليس تعزيز مسارات التطبيع العربي والإقليمي معها، على الصعد الاستراتيجية والسيبرانية والاقتصادية والسياسية.

إلخ، ما يفتح الباب واسعاً أمام تعظيم إمكانية التصدي للاستراتيجية الصهيونية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، توطئةً لتفكيك الكيانات العربية والإقليمية وإضعافها، وإعادة زج المنطقة، مراراً وتكراراً، في صراعاتٍ لانهائية، تؤدي إلى استنزاف الجميع لمصلحة إسرائيل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك