كلما اشتدت الأزمات الخدمية في العاصمة المؤقتة عدن، ارتفعت معها الأصوات المطالبة بحلول عاجلة ومحاسبة المسؤولين، وهو أمر طبيعي في مدينة أنهكتها سنوات طويلة من التراجع والمعاناة اليومية.
لكن في المقابل، فإن أي قراءة سياسية موضوعية للمشهد تفرض العودة خطوة إلى الخلف لفهم السؤال الأهم: كيف وصلت عدن إلى هذه المرحلة؟ وهل ما تعيشه المدينة اليوم هو نتيجة أشهر أو سنة أو إدارة بعينها، أم حصيلة مسار طويل من الحرب والتعثر والانقسام وضعف الدولة؟وفي هذا السياق يأتي تولي محافظ العاصمة عدن الأستاذ عبدالرحمن شيخ مسؤولية إدارة المدينة في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً، وهي مرحلة لا تتعلق بإدارة ملفات يومية فحسب، بل بالتعامل مع تراكمات سياسية وإدارية وخدمية ممتدة لسنوات.
من الصعب فهم واقع عدن الحالي دون العودة إلى السنوات التي أعقبت الحرب، وهي سنوات لم تنتج فقط أضراراً مادية في البنية التحتية، بل أحدثت تغيرات عميقة في شكل الدولة وطريقة عمل مؤسساتها وآليات التمويل والإدارة.
فالحرب لا تدمر المباني فقط، بل تعطل المنظومات.
وعندما تتعطل المنظومات تصبح المدينة أمام حالة استنزاف مستمرة حتى بعد توقف المواجهات المباشرة.
عدن خلال السنوات الماضية استقبلت أعباء تتجاوز قدراتها الطبيعية؛ توسع سكاني، ضغط على الخدمات، انتقال مؤسسات، تراجع الإيرادات، وانقسام في مراكز القرار والإدارة.
كل ذلك جعل المدينة تتحمل أدواراً أكبر من إمكاناتها المتاحة.
ولهذا فإن كثيراً من الأزمات الحالية ليست وليدة اليوم.
الكهرباء ليست أزمة إنتاج فقط، بل أزمة وقود وتمويل وشبكات وصيانة والتزامات مالية متراكمة.
والمياه ليست مجرد تشغيل يومي، وإنما قطاع تأثر بسنوات من الضغط والإهمال وضعف الاستثمار.
أما البنية التحتية فقد استنزفت دون تحديث شامل أو خطط طويلة الأمد.
سياسياً وإدارياً، لا يمكن تجاهل أن إدارات سابقة تعاقبت على عدن دون أن تتمكن من بناء حلول مستدامة.
بعض تلك الإدارات ركزت على إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها، وبعضها اصطدم بمحدودية الإمكانات، وأخرى تأثرت بتداخل الصلاحيات وضعف التنسيق.
هذا الواقع أدى إلى تراكم المشكلات حتى أصبحت أي إدارة جديدة تبدأ عملها وهي تحمل إرثاً ثقيلاً من الملفات المؤجلة.
ومن هنا تظهر طبيعة التحدي الذي يواجه المحافظ عبدالرحمن شيخ؛ إذ لا يقتصر دوره على إدارة الواقع القائم، بل يتطلب إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة تنشيط المؤسسات المحلية، ومحاولة استعادة ثقة الشارع بقدرة الدولة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات.
كما أن مشكلة الموارد ما تزال تمثل أحد أبرز التحديات.
فالإشكال لا يقتصر على حجم الموارد المتاحة، بل يمتد إلى تشتتها وتعدد الجهات المتدخلة وضعف توحيد الإنفاق ضمن رؤية تنموية واضحة.
ومع استمرار هذا الواقع تصبح قدرة أي إدارة محلية على تحقيق نتائج سريعة أكثر تعقيداً.
ويبرز كذلك ملف الفساد باعتباره من أكثر الملفات حساسية.
فالفساد الإداري والمالي لا يعالج بقرارات سريعة أو تغييرات شكلية، بل يحتاج إلى وقت وإرادة سياسية وإجراءات رقابية وإصلاح إداري يعيد تنظيم العلاقة بين المؤسسات والموارد والإنفاق.
إلى جانب ذلك، فإن الانقسام الذي شهدته مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية ترك آثاراً مباشرة على الأداء الحكومي؛ إذ أضعف القرار الإداري، وأربك تنفيذ المشاريع، وخلق ازدواجية في بعض الملفات، وأدى إلى تراجع فاعلية المؤسسات.
كل هذه المعطيات تجعل الحكم على أي إدارة جديدة خلال فترة قصيرة أمراً يحتاج إلى قدر من التوازن والواقعية.
لكن منح الوقت للمحافظ عبدالرحمن شيخ لا يعني منح تفويض مفتوح أو تعطيل المساءلة، فالمواطن الذي تحمل سنوات من التراجع من حقه أن يرى مؤشرات حقيقية على التغيير، ولو بصورة تدريجية، سواء في تحسين الخدمات أو ضبط الإنفاق أو تعزيز حضور مؤسسات الدولة.
كما أن الإعلام والمجتمع أمام مسؤولية مهمة تقوم على النقد المسؤول وقياس الأداء وفق النتائج، بعيداً عن منطق الهدم أو التبرير المطلق.
وفي النهاية، فإن نجاح المحافظ عبدالرحمن شيخ لن يُقاس بعدد التصريحات أو الوعود، بل بقدرته على تحويل الوقت الذي يُمنح له إلى إجراءات عملية تعيد بناء الثقة وتستعيد كفاءة المؤسسات.
وإذا تحقق ذلك فإن المكسب لن يكون لشخص أو إدارة، بل لعدن وكل أبنائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك