استقليتُ أنا وصديقي سيارة أجرة في" أوتوستراد المزة" بقلب العاصمة السورية دمشق وذلك في العام 1988.
كان يقود التاكسي شابٌ ستيني، ستيني يرفض الانصياع للزمن، فيحاول التشبب في هندامه ومظهره.
وبذكاء السائق الذي يبحث عن كسب ود الراكب استمالةً لزيادة الأجرة، لوّح لنا بـ" كاسيت" كُتب عليه بخط اليد: " وحيد الجزيرة"لم ينتظر منا إذنًا، بل دفع به في" المسجل" رافعًا الصوت عن آخره، لتصدح أغنية ابن سعيد الشهيرة: " يا ناس حبيت واحد.
أثر المحبة صعيبة.
أثر المحبة تبكّي.
القلب لازم تذيبه".
توقفت السيارة عند إشارة المرور، وبينما كان المارة وسائقو السيارات المجاورة يرمقوننا بنظرات مستغربة -ظنًا منهم أن هذا الصخب بطلب منا- شعرت بالحرج فأشرت إليه بخفض الصوت.
رد الرجل بعفوية مباغتة: شوبنا أبو الشباب.
أنا منشانكون!أراد" الشوفير" بحسن نية أن يستدعي لنا وطننا، بينما كنا نتوق لسماع" الزَّمُر" وإيقاعات الدبكة الشامية التراثية، أو قدود صباح فخري، أو حتى شعبيات ذياب مشهور.
وعلى طاري الشعبيات سألته: ما عندكم فنانين شعبيين؟ أجاب بلكنته الشامية الجميلة: ليكُن.
أكتر من الهمّ عالقلب!هنا يكمن الجوهر: ظن الرجل أنه يتقرب إلينا بمحليتنا، بينما كنا نبحث عن محليته، وهذا هو لبّ السياحة الثقافية، فالضيف لا يريد أن يرى نفسه في مرآتك، بل يريد أن يكتشفك أنت.
اليوم، ومع تصدر تطبيقات النقل الذكي واجهة المشهد التي يقود زمامها شبابنا السعودي، لم يعد مشوار التاكسي مجرد خدمة نقل من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، بل غدا واجهة أولى ترسم ملامح صورتنا الذهنية، وفرصة ذهبية لتقديم هويتنا باحترافية تليق بمكانتنا.
إن تسويق الثقافة السعودية يبدأ من اللحظة التي يفتح فيها الزائر باب المركبة، فالانطباع لا يصنع بالكلمات، بل بعبق القهوة السعودية والدخون داخل السيارة، وبالنظافة التي تعكس رقي صاحبها، ناهيك عن التزامه المروري الذي يعكس تحضر المجتمع وقيمه.
هنا يتحول قائد المركبة من مجرد سائق إلى سفير يحمل شيم الكرم والحفاوة في تعامله، وبدلاً من أن نحاول تقديم ما نظن أن الزائر يحبه، علينا أن نسوق له ثقافتنا العريقة بتنوعها المدهش.
لتكون رحلته القصيرة في شوارعنا تجربة بصرية يراها في فخامة" كافد" وعراقة الدرعية، وتجربة سمعية؛ من وقار العرضة النجدية، إلى طرب الدانة الشرقاوية، ورشاقة المجرور الطائفي، وصولاً إلى ألوان الشمال والجنوب الزاخرة.
هذا التنوع المدني والإيقاعي هو ما يمنح الزائر تجربة أصيلة ربما لن يجدها في مكان آخر.
تطبيقات النقل الحديثة باتت اليوم تملك نصيبًا وافرًا من القوة الناعمة للمملكة، فابتسامة السائق، وحسن حديثه، ولباقة حضوره، وتقديمه للمعلومة أحيانًا والنغم المحلي أحيانًا أخرى هي بمثابة سفارة متنقلة تقدم ثقافتنا الحية في أبهى صورها، وترسخ في أذهان الضيوف انطباعًا لا يمحوه الزمن.
نحن لا نبيع مجرد خدمة توصيل، بل نقدم تجربة إنسانية وثقافية متكاملة، تثبت لضيوف المملكة أن أهل الدار هم أجمل ما في الدار، وأن رقينا يبدأ من تفاصيلنا الصغيرة التي نحولها باحترافيتنا إلى ذكرى جميلة لا تُنسى.
شبابنا هم النافذة الأولى التي يقومون بفتحها لضيوفنا، فالثقافة السعودية ليست حبيسة المتاحف والكتب، بل هي كائن حي يتحرك على أربع عجلات.
وكما بدأنا مع وحيد الجزيرة نختم معه:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك