شرعية السودان لا تصنع في الكونغرسفي كل مرة يصدر فيها بيان من الكونغرس الأمريكي أو من إحدى العواصم الغربية بشأن السودان، تتسابق بعض القوى السياسية السودانية إلى الاحتفاء به أو الاستناد إليه بوصفه مرجعا لتحديد الشرعية السياسية أو نزعها.
ويبدو المشهد أحيانا وكأن مستقبل السودان، ومصير مؤسساته، وحق شعبه في تقرير مصيره، بات مرهونا بما يقرره مشرعون على بعد آلاف الكيلومترات من الخرطوم.
هذه الظاهرة تطرح سؤالا جوهريا: متى تحولت بعض النخب السودانية من الدفاع عن السيادة الوطنية إلى انتظار شهادات حسن السلوك السياسية من الخارج؟ وكيف أصبح الكونغرس الأمريكي، أو غيره من المؤسسات الأجنبية، مرجعا في تحديد من يمثل الشعب السوداني ومن لا يمثله؟المشكلة أن بعض النخب السودانية وقعت في فخ الاعتقاد بأن الطريق إلى السلطة يمر عبر البوابات الدولية أكثر مما يمر عبر الشارع السودانيلقد ظل الخطاب السياسي السوداني، لعقود طويلة، قائما على مفاهيم الاستقلال الوطني ورفض الوصاية الأجنبية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما أن السودان كان جزءا من حركة التحرر الأفريقية التي ناضلت ضد الاستعمار والهيمنة الخارجية، وساهمت في دعم حركات التحرر في القارة.
ولذلك يبدو من المفارقة أن بعض القوى التي ترفع اليوم شعارات الديمقراطية والسيادة تجد نفسها في موقع المنتظر لقرارات الخارج كي تمنحها الشرعية السياسية أو تسحبها من خصومها.
ولا يتعلق الأمر هنا بالولايات المتحدة وحدها، بل بمبدأ أعمق يتعلق بمفهوم الشرعية ذاته.
فالشرعية السياسية لا تمنح من واشنطن، ولا من بروكسل، ولا من أي عاصمة أخرى.
الشرعية تكتسب من الشعب، ومن قدرة القوى السياسية على تمثيل مصالحه والدفاع عن قضاياه وبناء مؤسسات وطنية تحظى بثقته.
أما الاعتراف الخارجي فهو عامل مساعد في العلاقات الدولية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن الشرعية الوطنية.
المشكلة أن بعض النخب السودانية وقعت في فخ الاعتقاد بأن الطريق إلى السلطة يمر عبر البوابات الدولية أكثر مما يمر عبر الشارع السوداني.
فأصبح استرضاء العواصم الأجنبية أحيانا أكثر أهمية من مخاطبة المواطن السوداني نفسه، وتحول الصراع على النفوذ الداخلي إلى سباق للحصول على بيانات الدعم والتأييد من الخارج.
والأخطر من ذلك أن هذه المقاربة تضعف الموقف الوطني في مواجهة التدخلات الخارجية.
فمن غير المنطقي أن تطالب القوى السياسية باحترام سيادة السودان، بينما تربط في الوقت نفسه مصير العملية السياسية بمواقف القوى الدولية.
ومن الصعب إقناع المواطنين باستقلالية القرار الوطني عندما يصبح الخطاب السياسي مشغولا بما يقوله الكونغرس الأمريكي أكثر من انشغاله بما يريده السودانيون.
الأزمة السودانية الحالية كشفت عن خلل عميق في بنية النخب السياسية والعسكرية على حد سواء.
فبدلا من بناء توافقات وطنية مستقلة، اتجهت أطراف متعددة إلى البحث عن داعمين خارجيينلقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن القوى الخارجية، مهما رفعت من شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، تتحرك في نهاية المطاف وفقا لمصالحها الإستراتيجية.
وما تعتبره أولوية اليوم قد تتخلى عنه غدا إذا تغيرت حساباتها السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية.
ولذلك فإن بناء مشروع وطني على أساس الرهان على الخارج هو مشروع هش بطبيعته، لأنه يربط مصيره بعوامل لا يملك السيطرة عليها.
إن الأزمة السودانية الحالية كشفت عن خلل عميق في بنية النخب السياسية والعسكرية على حد سواء.
فبدلا من بناء توافقات وطنية مستقلة، اتجهت أطراف متعددة إلى البحث عن داعمين خارجيين، سواء في الإقليم أو على المستوى الدولي.
وكانت النتيجة المزيد من الانقسام، والمزيد من الارتهان، والمزيد من إضعاف القرار الوطني.
إن السودان لا يحتاج إلى وصي سياسي، ولا إلى جهة أجنبية تحدد له من يملك الشرعية ومن لا يملكها.
ما يحتاجه السودان هو إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية بوصفها المصدر الوحيد للشرعية.
فالشعوب لا تحكم بقرارات البرلمانات الأجنبية، والدول لا تبنى عبر بيانات الدعم الصادرة من الخارج، وإنما تبنى بالتوافق الوطني والمؤسسات الشرعية والإرادة الحرة للمواطنين.
لقد آن الأوان للنخب السودانية أن تراجع علاقتها بالخارج، وأن تدرك أن الدعم الدولي لا يمكن أن يكون بديلا عن التفويض الشعبي.
فالدول التي تحترم نفسها لا تستورد شرعيتها، والشعوب الحرة لا تنتظر من الآخرين أن يقرروا عنها من يحكمها ومن يمثلها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل القوى السياسية السودانية: إذا كانت الشرعية تمنح من الخارج، فما الذي يتبقى من معنى الاستقلال الذي ناضل السودانيون والأفارقة من أجله لعقود طويلة؟ وإذا أصبح الكونغرس الأمريكي مرجعا أعلى في تحديد مستقبل السودان، فما الفرق بين الوصاية القديمة بأشكالها الاستعمارية والوصاية الجديدة بأدواتها السياسية؟إن معركة السودان الحقيقية اليوم ليست فقط مع الحرب والانقسام، بل مع استعادة الثقة في قدرة السودانيين أنفسهم على صناعة مستقبلهم بعيدا عن الإملاءات الخارجية، وبعيدا عن وهم أن خلاص السودان سيأتي من وراء البحار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك