حين يتابع مليارات البشر منافسات كأس العالم، ينصب اهتمامهم عادة على الأهداف والخطط التكتيكية والنجوم الذين يصنعون الفارق فوق المستطيل الأخضر.
لكن خلف المشهد الذي يراه المشجعون، تدور معركة أخرى أقل وضوحا، لكنها لا تقل أهمية عن المباريات نفسها.
إنها معركة الضغوط النفسية والبدنية التي يتعرض لها اللاعبون قبل البطولة وأثناءها، والتي قد تحدد في كثير من الأحيان من سيحمل الكأس ومن سيغادر خائبا.
list 1 of 2ميسي ومارادونا يتقاسمان رقما تاريخيا في كأس العالمlist 2 of 2لوحة الأرقام.
كيف تحكّم مورياسو بإيقاع منتخب اليابان داخل الملعب؟فاللاعبون الذين ينظر إليهم الجمهور باعتبارهم أبطالا خارقين هم في النهاية بشر، يتأثرون بالخوف والقلق والإرهاق والانتقادات، مثلهم مثل أي إنسان آخر.
بل إن حجم الضغوط التي يتعرض لها بعضهم قد يفوق ما يواجهه معظم الناس طوال حياتهم المهنية، إذ يجد اللاعب نفسه تحت أنظار ملايين المشجعين، ومتابعة وسائل الإعلام، وتوقعات وطن بأكمله، بينما قد تختزل سنوات من العمل والتضحيات في 90 دقيقة أو في ركلة جزاء واحدة.
على خلاف الاعتقاد السائد، لا يعد التوتر عدوا دائما، فالجسم البشري مبرمج بيولوجيا على التعامل مع الضغوط من خلال إفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، مما يزيد من اليقظة وسرعة الاستجابة والتركيز.
ولهذا السبب، فإن قدرا معتدلا من الضغط النفسي قد يساعد اللاعب على تقديم أفضل ما لديه.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز الضغوط حدا معينا، أو عندما تستمر لفترات طويلة.
فارتفاع مستويات هرمونات التوتر بشكل مزمن قد يؤثر في النوم والتعافي العضلي والتركيز، كما قد يضعف القدرة على اتخاذ القرار ويزيد من خطر الإصابات.
ويعرف علماء النفس الرياضي هذه الحالة بما يسمى" الاختناق تحت الضغط"، حيث يفشل الرياضي في تقديم المستوى الذي اعتاد عليه رغم امتلاكه المهارات والخبرة الكافيتين.
ولهذا السبب، ليس من النادر أن نرى لاعبين يتألقون طوال الموسم مع أنديتهم، لكنهم يجدون صعوبة في تكرار المستوى نفسه في البطولات الكبرى، حيث تكون الضغوط النفسية في ذروتها.
الإرهاق البدني.
الوجه الآخر للضغوطتأتي بطولات كأس العالم عادة بعد مواسم طويلة ومرهقة يخوض خلالها اللاعبون عشرات المباريات المحلية والقارية، إضافة إلى السفر المتكرر والضغوط المستمرة والمنافسة الشرسة.
ولا يقتصر الإرهاق على الشعور بالتعب، بل يشمل تغيرات فسيولوجية معقدة، مثل استنزاف مخازن الطاقة في العضلات، وارتفاع مؤشرات الالتهاب، واضطراب بعض الهرمونات، وضعف الجهاز المناعي، وتراجع القدرة على التعافي بين المباريات.
كما أن قلة النوم المصاحبة للقلق النفسي قد تؤدي إلى ارتفاع مستويات الكورتيزول، مما يزيد من خطر الإصابات العضلية ويؤثر سلبا على الأداء الذهني والبدني.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التعب البدني لا يؤثر فقط على السرعة والقوة، بل ينعكس أيضا على التركيز وسرعة رد الفعل واتخاذ القرارات، وهي عوامل قد تحسم نتيجة مباراة كاملة.
عندما تتحول لحظة واحدة إلى ذكرى أبديةتزخر كرة القدم بأمثلة تظهر كيف يمكن للضغوط النفسية أن تؤثر حتى على أعظم اللاعبين.
ففي نهائي كأس العالم عام 1994، أهدر الإيطالي روبرتو باجيو ركلة الترجيح الحاسمة أمام البرازيل، لتصبح تلك اللحظة أشهر من البطولة الاستثنائية التي قدمها وقاد خلالها منتخب بلاده إلى النهائي.
وفي مونديال عام 2002، عاش الحارس الإنجليزي ديفيد سيمان سنوات طويلة تحت وطأة الانتقادات بعد الهدف الشهير الذي سجله رونالدينيو.
أما ليونيل ميسي، فقد تعرض لسنوات من الضغوط والمقارنات مع دييغو مارادونا، وتلقى انتقادات حادة بعد خسارة نهائي كأس العالم عام 2014 ونهائيي كوبا أمريكا، إلى درجة دفعته إلى إعلان اعتزال اللعب الدولي مؤقتا، قبل أن يعود ويتوج بكأس العالم في قطر عام 2022.
كما شكلت الهزيمة التاريخية للبرازيل أمام ألمانيا بنتيجة 7-1 في نصف نهائي مونديال عام 2014 مثالا صارخا على كيف يمكن للضغوط الجماعية أن تؤدي إلى انهيار غير متوقع.
ولم يسلم اللاعبون الإنجليز من هذه الضغوط، إذ تعرض بوكايو ساكا وماركوس راشفورد وجادون سانشو لحملات تنمر وإهانات عنصرية واسعة بعد إهدارهم ركلات الترجيح في نهائي بطولة أوروبا عام 2021.
أما أندريس إنييستا، أحد أعظم لاعبي خط الوسط في التاريخ، فقد تحدث علنا عن معاناته مع الاكتئاب خلال مسيرته الكروية، مؤكدا أن الشهرة والنجاح لا يحصنان الإنسان من الاضطرابات النفسية.
كما عاش الظاهرة البرازيلية رونالدو نازاريو واحدة من أكثر اللحظات غموضا في تاريخ كأس العالم، عندما تعرض لوعكة صحية مفاجئة قبل ساعات من نهائي مونديال عام 1998 أمام فرنسا، ليظهر بعيدا عن مستواه المعتاد في المباراة.
وتوضح هذه الأمثلة أن أعظم اللاعبين ليسوا آلات، وأن الفشل في لحظة معينة لا يلغي سنوات من الإنجازات أو يقلل من قيمة أصحابها.
الإعلام وتشكيل المزاج العاميلعب الإعلام الرياضي دورا محوريا في تشكيل المزاج العام المحيط بالمنتخبات واللاعبين.
فالتغطية المتوازنة والنقد الموضوعي يمكن أن يساعدا على فهم ما يجري داخل الملعب، بينما قد تؤدي المبالغة في الانتقادات والبحث عن الإثارة إلى زيادة الضغوط النفسية التي يعيشها اللاعبون.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد اللاعب ينتظر قراءة الصحف في اليوم التالي، بل أصبح عرضة لآلاف التعليقات والتحليلات لحظة بلحظة.
وفي بعض الأحيان، تتحول البرامج الرياضية إلى محاكم شعبية تبحث عن المذنب بعد كل خسارة، وكأن كرة القدم لعبة يمكن التحكم في كل تفاصيلها.
والمفارقة أن بعض المحللين الذين يطلقون أحكاما قاسية على اللاعبين ويتحدثون بثقة مطلقة عن كيفية التصرف في المباريات الحاسمة، لم يسبق لهم أن عاشوا ضغوط بطولة عالمية أو أن حققوا إنجازات تذكر خلال مسيرتهم كلاعبين.
ولا يعني ذلك أن النقد غير مشروع، بل إن التحليل الرصين ضروري لتطور اللعبة، لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد الموضوعي وبين الخطاب الانفعالي الذي يبحث عن الإثارة ويحول لاعبا واحدا إلى" كبش فداء" بعد كل إخفاق.
وقد أظهرت أبحاث علم النفس الرياضي أن البيئة الإيجابية والدعم الاجتماعي يسهمان في تعزيز الثقة بالنفس، في حين أن الانتقادات المفرطة والعدائية المستمرة قد تؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق وتراجع الأداء.
المدربون وعلماء النفس.
الجنود المجهولونلم تعد المنتخبات الكبرى تعتمد فقط على المدربين البدنيين والأطباء، بل أصبحت تستعين بعلماء النفس الرياضي، وخبراء النوم، واختصاصيي التغذية، ومحللي الأداء، في إطار مقاربة شاملة تهدف إلى المحافظة على التوازن النفسي والجسدي للاعبين.
فالمدرب الناجح لا يقتصر دوره على اختيار التشكيلة ووضع الخطط التكتيكية، بل يمتد إلى خلق بيئة يسودها الهدوء والثقة والشعور بالانتماء، ومساعدة اللاعبين على تجاوز الأخطاء والتعامل مع الضغوط بطريقة صحية.
وقد أصبح علماء النفس الرياضي جزءا أساسيا من الطواقم الفنية في المنتخبات الكبرى، حيث يعملون على تعليم اللاعبين تقنيات التحكم في التوتر، والتصور الذهني، والتنفس العميق، وتعزيز الثقة بالنفس، ومساعدتهم على التعامل مع الانتقادات والهزائم.
ولم يعد اللجوء إلى الدعم النفسي يعتبر دليلا على الضعف، بل أصبح جزءا من الاحتراف الرياضي الحديث.
المنتخب المغربي في قطر.
عندما تصبح الثقة جزءا من الخطةقدم المنتخب المغربي في كأس العالم عام 2022 نموذجا لافتا على أهمية العامل النفسي في تحقيق الإنجازات.
فإلى جانب الانضباط التكتيكي والجاهزية البدنية، نجح المدرب وليد الركراكي في خلق أجواء من الثقة والانسجام والروح الجماعية، انعكست بوضوح على أداء اللاعبين داخل الملعب.
ولم تكن المشاهد التي جمعت اللاعبين بأمهاتهم وعائلاتهم بعد المباريات مجرد لقطات عاطفية، بل عكست أهمية الدعم الأسري والاجتماعي في تعزيز الشعور بالأمان النفسي والتخفيف من الضغوط.
وقد أشار عدد من اللاعبين إلى أن دعم أسرهم والجماهير المغربية كان أحد مصادر القوة التي ساعدتهم على تجاوز اللحظات الصعبة وتحقيق إنجاز تاريخي غير مسبوق للكرة العربية والأفريقية.
رغم أن الأضواء تسلط عادة على اللاعبين والمدربين، فإن العائلة تمثل في كثير من الأحيان أحد أهم عناصر الدعم النفسي التي تساعد الرياضيين على مواجهة الضغوط الهائلة التي تفرضها البطولات الكبرى.
فوجود الوالدين أو الزوجة أو الأبناء أو الإخوة إلى جانب اللاعب، وتوفير مساحة من الأمان العاطفي بعيدا عن ضجيج الإعلام والجماهير، قد يساعد على تخفيف القلق وتعزيز الثقة بالنفس.
كما أن الشعور بأن قيمة الإنسان لا تختزل في نتيجة مباراة أو في ركلة جزاء ضائعة يمنح الرياضيين قدرة أكبر على تجاوز الإخفاقات واستعادة توازنهم النفسي.
ولهذا السبب، لم يعد من المستغرب أن تسمح المنتخبات الكبرى للاعبين بقضاء بعض الوقت مع أسرهم خلال البطولات الطويلة، إدراكا منها بأن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن اللياقة البدنية.
ففي نهاية المطاف، قد يكون العناق الذي يتلقاه اللاعب من والدته أو زوجته أو أطفاله بعد مباراة صعبة، أكثر قدرة على تبديد التوتر من كثير من الخطب الحماسية والمحاضرات التكتيكية.
كرة القدم الحديثة ليست اختبارا للمهارات فقطلا يفوز بكأس العالم دائما المنتخب الذي يملك أفضل اللاعبين أو أغلى الأسماء، بل المنتخب الذي يستطيع الحفاظ على توازنه النفسي والبدني طوال أسابيع البطولة.
فالنجاح في كرة القدم الحديثة أصبح نتاج عمل جماعي تشارك فيه الطواقم الفنية والطبية والنفسية، كما تشارك فيه العائلات التي توفر للاعبين الدعم والاستقرار العاطفي.
وأصبح العقل لا يقل أهمية عن العضلات، والنوم لا يقل أهمية عن التدريب، والدعم النفسي لا يقل أهمية عن الخطط التكتيكية.
وبينما يشاهد العالم الأهداف والكؤوس، يعمل جيش من المتخصصين، ومعهم الآباء والأمهات والزوجات والأبناء، خلف الكواليس لمساعدة اللاعبين على التعامل مع ضغوط لا يستطيع إدراك حجمها الحقيقي إلا من عاش تجربة المنافسة على أعلى المستويات.
ولعل هذا هو أحد أسرار الأبطال الحقيقيين: فهم لا يواجهون الضغوط وحدهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك