الأمة بين عوامل القوة واستحقاقات البقاءحين تفقد الدول قدرتها على رؤية الواقع بوضوح، يبدأ التآكل البطيء من الداخل، حتى وإن بدت قوية من الخارج.
ولعل التاريخ السياسي للأمم مليء بلحظات شهدت انهيار دول بسبب تضليل الذات والارتماء في أوهام خادعة.
ففي بعض المصادر، يروى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد استدعى أحد قادته العسكريين ليسأله عن التناقض بين واقع الجند وما يرفع إليه من تقارير مطمئنة، فأجابه القائد: " نكتب إليك بما نرجوه لا بما نجده".
فاستغرب الرشيد وقال عبارته الحاسمة: " إنما تحفظ الدول بالصدق لا بالأماني".
هي قاعدة لا تزال تحكم مصائر الشعوب التي تسعى للنهوض حتى اليوم؛ فالقرار السياسي، حين يبنى على معلومات مضللة، يصبح متأخرا، والتأخر في السياسة يعني فقدان القرار جدواه.
أشار هنري كيسنجر في كتابه" القيادة" (Leadership) إلى أن المشهد الدولي يمر بتحولات سياسية وتكنولوجية وحضارية عميقة، وأن مثل هذه التحولات لا تدار بالروتين، بل تحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية تاريخية، وقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في لحظات الغموضوفي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد الأزمات تقاس بحجمها الظاهر، بل بعمق الاختلالات التي تخفيها، وبالتصدعات التي تحدثها في بنية المجتمعات والدول على مختلف الأصعدة.
ولا يخفى أن ما تشهده المنطقة اليوم من صراعات مفتوحة، وتحولات جيوسياسية متسارعة، وارتباك في موازين القوى، يدل بوضوح على أن المشهد الدولي يقف على حافة حقبة شديدة الحساسية، في ظل شلل يكاد يكون كاملا للمنظومات الدولية ومؤسساتها القانونية، وعجز عن حماية الشعوب أو تحقيق العدالة.
وقد أشار هنري كيسنجر في كتابه" القيادة" (Leadership) إلى أن المشهد الدولي يمر بتحولات سياسية وتكنولوجية وحضارية عميقة، وأن مثل هذه التحولات لا تدار بالروتين، بل تحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية تاريخية، وقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في لحظات الغموض.
ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن كثيرا من الدول باتت تعيش بين صورتين: صورة تتمنى أن تكون عليها وتحاول تصديرها في خطاباتها اليومية، وأخرى تتفكك بصمت.
وهنا يبدأ الانكشاف الحقيقي؛ فالكيانات لا تسقط بضربة مفاجئة، بل تبدأ مسيرة الانهيار حين تستبدل الحقيقة بالأوهام، وحين تدار السياسة بالعاطفة بدلا من القراءة الدقيقة للواقع، في ظل غياب الوعي المعرفي وتصدع المنظومة القيمية.
إن استحقاقات النهوض تبدأ من بناء الإنسان قبل بناء الحجر.
فالإنسان الواعي، الحر، المسؤول، هو أساس كل نهضة حقيقية، والأمم تستعيد حضورها حين تؤمن برسالتها وبعدالة نضالهاإن المشهد العربي الراهن يواجه منعطفا شديد التعقيد سياسيا واقتصاديا وثقافيا، مع ضبابية الرؤية، وضعف الوعي، وتراجع الثقة بالذات الحضارية، وفقدان البوصلة، بالتوازي مع انحسار فكرة المشروع الجامع القادر على توحيد الطاقات، ومنح الأجيال معنى ورسالة وشعورا بالأمان الوطني.
لقد تحولت الخلافات البينية والفكرية في كثير من الأحيان إلى أدوات استنزاف داخلي أنهكت المجتمعات العربية، وأصبح الانشغال بالقضايا الهامشية يستهلك طاقات الشباب، بينما تمضي الأمم المتقدمة بخطى متسارعة في مجالات البحث العلمي والتقنية.
ولهذا فإن استحقاقات النهوض تبدأ من بناء الإنسان قبل بناء الحجر.
فالإنسان الواعي، الحر، المسؤول، هو أساس كل نهضة حقيقية، والأمم تستعيد حضورها حين تؤمن برسالتها وبعدالة نضالها.
وبديهي أن أي أمة لن تنهض إلا من خلال التعليم؛ لأن منطق العصر لا يعترف إلا بالأقوياء علميا واقتصاديا وتقنيا.
فالتعليم، كما قال نيلسون مانديلا، هو" أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم".
فدول كانت، قبل عقود، تعاني الفقر والاضطراب، استطاعت عبر الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا، وتنمية الموارد البشرية أن تتحول إلى قوى اقتصادية مؤثرة، كما حدث في عدد من دول شرق آسيا، مثل سنغافورة، حيث لم يكن التفوق قائما على وفرة الموارد بقدر ما كان قائما على الانضباط والمعرفة والرؤية بعيدة المدى، عبر الاستثمار الأمثل للكفاءات الوطنية.
فالأمة التي تهمل مدارسها وجامعاتها وعقول شبابها، إنما تحكم على نفسها بالبقاء في ذيل الأمم.
فلا نهضة من دون إنسان متعلم.
لعل أخطر لحظة تمر بها الشعوب هي لحظة الدهشة المتأخرة؛ حين تكتشف أن النهاية بدأت منذ اللحظة التي استبدلت فيها الحقيقة بالأمنيات، وظنت أن القوة تمنح ولا تبنى.
هناك يبدأ السقوط المؤجلويتطلب ذلك بناء تكامل عربي وإقليمي في مجالات الاقتصاد والثقافة والتعليم والدفاع عن القضايا المشتركة؛ لأن المنظومة الدولية لم تعد تدار في إطار الدول المنعزلة، بل بمنطق التكتلات الكبرى.
فالأمم المتفرقة تعجز عن مواجهة التحديات منفردة، مهما امتلكت من موارد.
فالمشكلة لم تعد في تشخيص الأزمة، بل في القدرة على إنتاج مشروع حضاري وقومي يتجاوز منطق ردود الفعل.
فالمستقبل لا يصنع بالشعارات، وإنما بالصدق في تشخيص الحقائق، وتنمية الإنسان، وإحياء قيم العلم والعمل والوحدة.
ذلك أن الحضارات لا تضمحل فجأة، بل تتلاشى حين يضعف الضمير، ويخبو الوعي، وتضيع القيم.
ولعل أخطر لحظة تمر بها الشعوب هي لحظة الدهشة المتأخرة؛ حين تكتشف أن النهاية بدأت منذ اللحظة التي استبدلت فيها الحقيقة بالأمنيات، وظنت أن القوة تمنح ولا تبنى.
هناك يبدأ السقوط المؤجل.
ولهذا فإن المجتمعات التي تعرف كيف تجتمع ساعة الخطر، وتتجاوز خلافاتها، وتحفظ هويتها، تستطيع أن تصنع مستقبلها مهما اشتدت المحن.
أما الأمة التي تفقد وعيها بذاتها وهويتها، فإنها تتحول، مهما امتلكت من مال وسلاح، إلى كيان هش ينتظر لحظة الاندثار.
ختاما، فإن الأمم التي تحسن استثمار عوامل قوتها، وتفي باستحقاقات البقاء، هي القادرة على ضمان مستقبلها.
فالتاريخ لا يخلد الأقوياء وحدهم، بل يخلد العظماء الذين امتلكوا الوعي الكافي لتغيير مصائر أوطانهم قبل فوات الأوان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك