الاتفاق المتبلور بين إيران والولايات المتحدة يصل إلى المصاف الأخير، ولا أحد يوقفه سوى خلافات إيران الداخلية.
يدور الحديث عن اتفاق جزئي ومؤقت يعبر عن رغبة عميقة لإدارة ترامب في الامتناع عن العودة إلى قتال قوي مع إيران، وكطبيعة الاتفاقات الجزئية – المؤقتة، كفيل بأن يصبح دائماً.
ينبغي أن يقال بصدق إن الاتفاق الذي يلوح في الأفق سيئ لإسرائيل، بل حتى سيئ جداً.
في الفترة القريبة القادمة ستحول مليارات الدولارات إلى إيران لتمنح حقنة طاقة تخرج عن نطاق المعتاد لاستقرار النظام ولقدرته على ممارسة الإرهاب في أرجاء الشرق الأوسط.
الهدف المركزي والأهم المتمثل بإسقاط النظام سيتلقى ضربة هامة، بالذات في مرحلة استقراره هو فيها في الدرك الأسفل.
فضلاً عن ذلك، سيعزز الاتفاق من يدعون في إيران بأنها انتصرت – وقفت على الأقدام أمام “العدوان”، وجسدت مكانتها الإقليمية، ونجحت في تغيير الوضع الراهن في مضيق هرمز لصالحها.
فضلاً عن ذلك، يبدو أنه اتفق حاليا على تأجيل المسألة الأكثر إلحاحاً وخطورة: النووي.
بقي تحت تصرف إيران مخزون من نحو نصف طن من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 في المئة.
إن إخراج اليورانيوم من الأراضي الإيرانية أو تخفيفه شرط واجب لتقليص هذا التهديد الاستراتيجي.
والآن، قد توقع الولايات المتحدة على اتفاق وقف نار دون تحقيق هذا الشرط، ودون آليات رقابة واضحة.
من يعتقد بإمكانية الإشراف بشكل مطلق على محاولات إيران السرية لتهريب اليورانيوم المخصب إلى منشأة سرية في الصحراء، فهو يوهم نفسه.
في مسألة الصواريخ، يبدو أن الولايات المتحدة تنازلت تماماً عن مطالبها، وتركت لإسرائيل ولدول المنطقة كلها تحت تهديد استراتيجي، سيشتد في السنوات القريبة القادمة ما بقي النظام على حاله.
تفيد تجربة الماضي بأنه لا يمكن تقييد جهود إيران في بناء قوتها بشكل دراماتيكي، وربما تعمل الأخيرة بنشاط للوصول إلى هدف 10 آلاف صاروخ باليستي في فترة زمنية من بضع سنوات.
أما في لبنان فالمخفي أعظم من المكشوف بشأن لتفاصيل الاتفاق، لكن الميزان العام لإسرائيل سلبي: إيران ستوجه المال الذي يصلها إلى حزب الله قبل وقت كثير من تحويله لمواطنيها مثلما فعلت في الماضي.
نجاحات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان لن تتحول إلى إنجازات استراتيجية دون تجفيف المستنقع الإيراني.
وهذه لأسفنا، أصبحت مهمة أصعب مما كانت قبل بضعة أشهر؛ بسبب ثقة إيران المتزايدة بقدرتها على تقييد استخدام القوة الإسرائيلية في لبنان.
كما أن الاتفاق سيعطي أيضاً تعبيراً عن فجوات المصالح الأساسية بين إسرائيل والولايات المتحدة في المسألة الإيرانية، بشكل يمنح ريح إسناد لخصوم إسرائيل ومنتقديها.
بمفاهيم عديدة، إسرائيل اليوم في ضعف استراتيجي غير مسبوق: متعلقة بشكل مطلق بإدارة ترامب، لكنها في الوقت نفسه في خلاف أساسي معها على الاستمرار بشأن المسألة الإيرانية.
ومع ذلك، ثمة ما يمكن عمله.
على إسرائيل أن تركز جهودها كي تضمن حلاً ناجعاً وواضحاً لليورانيوم المخصب المتبقي في إيران، وآليات رقابة واضحة على هذه العملية.
وبالتوازي، ينبغي الإصرار على حرية عمل إسرائيلية حيال حزب الله في لبنان وعلى استراتيجية واضحة لتقليص النفوذ الإيراني.
بالتوازي، على إسرائيل ربط الإدارة الأمريكية في المساعي للتقليص الدراماتيكي للدعم العسكري المباشر وغير المباشر من الصين وروسيا لإيران.
كما أن الاتفاق يستوجب انتظاماً إسرائيلياً متجدداً على الأهداف التي لا تصر عليها الولايات المتحدة، وفي مركزها إسقاط النظام وتهديد الصواريخ.
الاستراتيجية المتجددة قد تتضمن تحالف دول المنطقة ودعماً “هادئاً” أمريكياً وسلسلة أدوات سرية تستهدف خدمة هذه الأهداف – مع التشديد على السايبر والوعي.
وبين هذا وذاك، المطلوب من الجيش الإسرائيلي التخطيط بعناية لجولات قتالية مباشرة مع إيران، بحيث تخدم -إذا ما فرضت على إسرائيل- هذه الأهداف.
إن توقيع الاتفاق يضع إسرائيل في وضع استراتيجي أسوأ مما كانت عليه قبل المعركة الأخيرة، لكن تستطيع على إنتاج الليمونادة من هذه الليمونة: إذا خرج اليورانيوم المخصب من إيران، وخرج الإيرانيون في لبنان، فسيتحسن وضع إسرائيل جدا.
إدارة ترامب ألقت بحجارتها، والآن دور إسرائيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك