دمشق – “القدس العربي”: شهدت مدن ومناطق سورية عدة تحركات احتجاجية تمثلت بمظاهرات ووقفات رفعت شعارات تطالب بمحاسبة من يصفهم المشاركون بـ”الشبيحة”، إلى جانب دعوات لإبعادهم عن بعض المناطق ومنع عودتهم إلى مواقع النفوذ.
وامتدت هذه التحركات من حلب وإدلب إلى أرياف دمشق والرقة ودير الزور، في وقت دعت فيه وزارة الداخلية إلى الاحتكام للقانون ورفض أعمال الانتقام الفردي، شددت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على أن المساءلة يجب أن تتم وفق الأصول القانونية، وسط تحذيرات من تصاعد التوترات الأمنية والاجتماعية واتساع دائرة العنف والثأر.
وتزامنت هذه التحركات مع وقوع عمليات تصفية ميدانية وعلنية في عدد من المناطق، شملت ريف دمشق وإدلب وحلب ودير الزور.
وحسب صحيفة “الوطن” الرسمية، فإن بعض الضحايا كانوا من كبار السن، فيما نفذت عمليات قتل أخرى أمام أفراد من عائلات الضحايا وأطفالهم، وسط عجز الأجهزة الأمنية عن منع تلك الحوادث أو إيقاف مرتكبيها، الأمر الذي أثار حالة من الصدمة والخوف بين السكان.
وحذرت مصادر أهلية من مخاطر تفاقم حالة الانفلات الأمني وارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، مشيرة إلى أن استمرار هذه الحوادث قد يؤدي إلى اتساع دائرة العنف وردود الفعل الانتقامية، بما يهدد السلم الأهلي في عدد من المناطق.
وأصدرت وزارة الداخلية بياناً رسمياً تناولت فيه التوترات الشعبية المرتبطة بالمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال فترة حكم النظام السابق.
وقالت الوزارة، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، إنها تتابع باهتمام بالغ ما تشهده بعض المناطق في محافظة إدلب من توترات ناجمة عن مطالبات شعبية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين خلال سنوات حكم النظام البائد.
حذرت مصادر أهلية من مخاطر تفاقم حالة الانفلات الأمني وارتفاع منسوب التوتر الاجتماعي، مشيرة إلى أن استمرار هذه الحوادث قد يؤدي إلى اتساع دائرة العنف وردود الفعل الانتقامية، بما يهدد السلم الأهلي في عدد من المناطقوأكدت أنها تتفهم مشاعر الغضب والألم التي خلفتها تلك الجرائم في نفوس الأهالي، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات هما مسؤولية الدولة ومؤسساتها المختصة، مؤكدة أنها لن تتهاون مع أي شخص يثبت تورطه في سفك الدماء أو ارتكاب انتهاكات بحق السوريين.
وأضاف البيان أن الأجهزة الأمنية تواصل عملياتها لملاحقة المطلوبين والمتورطين في مختلف المحافظات، داعياً المواطنين إلى التحلي بضبط النفس وعدم الانجرار إلى أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون، محذراً من أن مثل هذه الممارسات تشكل تهديداً للأمن والاستقرار وتعرقل مسار العدالة.
كما دعت الوزارة، المواطنين وكل من يمتلك معلومات أو أدلة موثقة حول أشخاص متورطين في جرائم أو انتهاكات إلى تقديمها عبر القنوات الرسمية المعتمدة، مؤكدة أن الجهات المختصة تتابع هذه الملفات بجدية كاملة، وأن أي معلومات موثوقة ستسهم في ملاحقة المطلوبين وتقديمهم إلى العدالة.
وجددت تأكيدها أن حقوق الضحايا لن تضيع، وأن جميع القضايا والملفات الموثقة ستخضع للمتابعة وفق الأصول القانونية بما يضمن محاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنصاف المتضررين بعيداً عن الفوضى أو الثأر الفردي.
وشدد البيان على أن بناء دولة العدالة وسيادة القانون يتطلب الاحتكام إلى المؤسسات المختصة والثقة بإجراءاتها، إضافة إلى التكاتف للحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع أي محاولات قد تؤدي إلى جر البلاد نحو الفوضى.
لا انتقام ولا عقاب جماعياًفي خضم الجدل المتصاعد حول ملف محاسبة المتورطين في الانتهاكات، شددت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في بيان، على أن العدالة الانتقالية لا تقوم على الانتقام أو الثأر أو العقاب الجماعي، وإنما على مبدأ المسؤولية الفردية والمحاسبة وفق القانون.
شددت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في بيان، على أن العدالة الانتقالية لا تقوم على الانتقام أو الثأر أو العقاب الجماعي، وإنما على مبدأ المسؤولية الفردية والمحاسبة وفق القانونوأكدت أن حق الضحايا وذويهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة يمثل حقاً مشروعاً لا يمكن تجاوزه أو التقليل من أهميته، خصوصاً بعد عقود من الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا.
وأوضحت أن مسار العدالة الانتقالية يستند إلى مبدأ عدم الإفلات من العقاب، من خلال محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة والانتهاكات وفق الأصول القانونية، بما يضمن إنصاف الضحايا وتحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون.
وشددت على أن العدالة الانتقالية تقوم على المسؤولية الفردية، وترفض ممارسات الانتقام واستيفاء الحق خارج إطار القانون، مؤكدة أن العقاب الجماعي يتعارض مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، ويؤدي إلى إنتاج مظالم جديدة بدلاً من معالجتها.
وأضافت أن المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر تمثل ركائز أساسية لبناء سلام مستدام ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، مشيرة إلى أنها تواصل العمل في ملفات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الوطنية والإصلاح المؤسسي وبناء السلام، انطلاقاً من التزامها ببناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام كرامة جميع السوريين.
واختتمت الهيئة بيانها بالتأكيد على أن “من حق الضحايا أن يغضبوا، ومن واجب مؤسسات العدالة أن تحول هذا الغضب إلى مساءلة قانونية عادلة، لا إلى انتقام أو عقاب جماعي”.
وأثارت التطورات الأخيرة موجة واسعة من ردود الفعل بين ناشطين وحقوقيين ومتابعين للشأن السوري، تركزت حول أسباب تصاعد الدعوات الشعبية للمحاسبة وحدود العلاقة بين العدالة والانتقام.
وفي هذا السياق، حمّل المحامي السوري ميشال شماس جزءاً من المسؤولية لما وصفه بـ”بعض الناشطين المؤيدين للحكومة”، معتبراً أنهم استغلوا بطء تطبيق العدالة الانتقالية للتحريض على العنف والانتقام.
وقال إن هؤلاء ساهموا في تأجيج المشاعر ودفع الناس نحو خيارات خارج إطار القانون، قبل أن يعودوا لاحقاً للمطالبة بضبط النفس وترك الملف بيد الدولة بعد اتساع تداعيات تلك الدعوات.
حمّل المحامي السوري ميشال شماس جزءاً من المسؤولية لما وصفه بـ”بعض الناشطين المؤيدين للحكومة”، معتبراً أنهم استغلوا بطء تطبيق العدالة الانتقالية للتحريض على العنف والانتقاموأضاف أن من حرض على العنف مستفيداً من غياب العدالة ثم تراجع بعد انفلات الأوضاع يتحمل مسؤولية مباشرة عما جرى، معتبراً أن محاسبة المحرضين يجب أن تكون جزءاً من أي مسار جدي لتحقيق العدالة.
إلا أن المواطن ياسر السراج، اعتبر أن ما تشهده بعض المدن السورية يعكس حالة غضب شعبي متراكمة نتيجة تأخر محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، مشيراً إلى إن المطلوب من الحكومة اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة بحق المسؤولين عن تلك الانتهاكات، إلى جانب تفعيل مسار العدالة الانتقالية بشكل عاجل، بما يسهم في تخفيف الاحتقان ومنع تفاقم الأوضاع.
وأضاف: “مسار العدالة في سوريا بعد التحرير بطيء وغير منصف، كما أن تهاون الحكومة بعدم محاسبة المجرمين أو إجراء تسويات مشبوهة معهم، هو ما دفع الناس إلى أخذ حقوقهم بأيديهم، وأملنا كبير بأن تتدارك الحكومة الأمر قبل أن تنجر سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات، سواء أكانت حسابات ثورية أم سياسية أم طائفية أم شخصية، كما أن المطلوب من المحتجين التمسك بالحقوق عبر المسارات القانونية”.
فيما أكدت الناشطة كنانة خلف الكردي، من دير الزور، أن سوريا لا تحتاج إلى عدالة انتقامية تعيد إنتاج المأساة، كما لا تحتمل في الوقت ذاته عدالة شكلية تنتهي إلى تجاهل حقوق الضحايا أو إعادة تأهيل المتورطين في الانتهاكات دون مساءلة حقيقية.
وقالت إن الخيار الواقعي والأخلاقي يتمثل في تطبيق عدالة انتقالية حقيقية تكون حازمة في محاسبة مرتكبي الجرائم، وعادلة في إجراءاتها، وقادرة على تحقيق التوازن بين حق الضحايا في الإنصاف القانوني وبين حاجة الدولة إلى الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار.
وأضافت أن الخطر الأكبر لا يكمن في المطالبة بالعدالة، وإنما في شعور أصحاب المظالم بأن العدالة مؤجلة إلى أجل غير معلوم أو أن دماء الضحايا أُغلقت ملفاتها دون محاسبة.
وختمت بالقول إن الدول لا تبنى بالنسيان ولا بالثأر، وإنما حين يصبح القانون أقوى من الانتقام، وتصبح العدالة أقوى من الإفلات من العقاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك