يمثل الإعلان المتزامن من إسلام آباد وواشنطن وطهران عن جاهزية مذكرة تفاهم للتوقيع الإلكتروني من قبل الولايات المتحدة وإيران يوم الجمعة المقبل، تتويجا لأشهر من الدبلوماسية الدؤوبة التي قادتها باكستان.
وقد بدأت رسائل التهنئة تتدفق بالفعل من مختلف العواصم حول العالم.
واستجابت الأسواق الدولية بإيجابية واضحة، حيث تتراجع أسعار النفط والغاز عن مستوياتها القياسية الأخيرة، في حين تظهر المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الكلي علامات مبكرة على الانفراج والتعافي.
تلقت باكستان، رغم اضطلاعها بدور الوسيط الرئيسي، دعما فاعلا من الشركاء الإقليميين-قطر، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ومصر، وتركيا- إلى جانب الصين.
والأهم من ذلك، نجحت إسلام آباد في الحفاظ على ثقة كل من واشنطن وطهران طوال عملية تواصل عبر القنوات الخلفية اتسمت بالصعوبة، وذلك على الرغم من طبيعة العلاقة العدائية بين البلدين.
ولعبت قطر، على وجه الخصوص، دورا حاسما في تضييق هوة الخلافات حول بعض بنود الاتفاق الأكثر إثارة للجدل.
ومما لا شك فيه أن باكستان، بدعم من شركائها، قد كتبت فصلا جديدا في تاريخ الدبلوماسية الحديثة.
رحب المجتمع الدولي بهذا الاختراق الدبلوماسي بارتياح كبير، وإن كان مشوبا بتفاؤل حذر.
وسوف يمهد توقيع مذكرة التفاهم، المقرر في 19 يونيو، الطريق لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الوصول الكامل إلى الخليج العربي، إلى جانب رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.
وسيساعد هذا التطور في ضمان حرية الملاحة وإحياء حركة الشحن التجاري العالمي.
تبقى المرحلة الأصعب من المفاوضات، مع ذلك، كامنة في المستقبل المنظور.
إذ سيتعين على الترتيب النووي الشامل بين الولايات المتحدة وإيران أن يعالج القيود المفروضة على برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني القريب من مستوى التسلح، وتدمير أو إزالة أو خفض تخصيب مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب التي تقدر بنحو 440 كيلوغراما، فضلا عن الإفراج عن الأصول المجمدة، وتخفيف العقوبات، ووضع آلية صارمة للتحقق.
وتشكل هذه القضايا حزمة متشابكة ومعقدة سيكون من الصعب للغاية التفاوض بشأنها.
وتشمل المسائل الخلافية الأخرى التي يرجح أن تخيم بظلالها على المحادثات: حوكمة مضيق هرمز، والقدرات الصاروخية الإيرانية، ودور حلفائها الإقليميين- وهما مسألتان أخيرتان تمثلان خطوطا حمراء معلنة بالنسبة لطهران.
يأمل المراقبون أن تمضي الأحداث وفقا للسيناريو المرسوم لها حتى الآن.
وسيعتمد هذا الانفراج الهش بشدة على قبول مذكرة التفاهم من قبل الدوائر السياسية المحلية، لا سيما في الولايات المتحدة.
وقد أشار على الأقل أحد الأعضاء الجمهوريين البارزين من تيار" اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى" (ماغا)، وهو السيناتور ليندسي غراهام، إلى أن المذكرة قد تتطلب مصادقة مجلس الشيوخ.
ومن شأن تطور كهذا أن يعقد عملية التنفيذ إلى حد كبير.
تستطيع إسرائيل أيضا أن تعرقل مسار هذه العملية.
فقد صرحت بأنها لم تكن طرفا في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وقد تسعى إلى تقويض التفاهم الناشئ إذا واصلت عملياتها العسكرية في الضاحية الجنوبية وعبر ما يقرب من ألفي كيلومتر مربع من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان وما وراءه.
وتدفع الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نحو اتخاذ موقف أكثر تشددا واستعراضا للقوة على الصعيد المحلي والإقليمي، وكذلك في مواجهة الولايات المتحدة.
يمكن للعلاقات الوظيفية المحسنة بين واشنطن وطهران أن تساعد في تخفيف التوترات المتعلقة بحزب الله وتقليل خطر الانزلاق نحو تصعيد أوسع نطاقا.
ومع ذلك، فإنها لن تحل بالضرورة مشاكل لبنان السياسية والاقتصادية المعقدة، ولن تلبي طموحات إسرائيل الأمنية الواسعة.
ويبقى لبنان مجالا سياسيا مجزأ وورقة مساومة تستخدم في الحسابات الإقليمية.
وسيتطلب الاستقرار الدائم هناك تسوية سياسية منفصلة، ولا يمكن ببساطة إدراجه كبند فرعي ضمن اتفاق أمريكي إيراني.
يحتمل أن تغدو مذكرة التفاهم، بالرغم من كل شيء، محفزا لانتقال إقليمي أوسع.
بيد أن ديمومتها ستعتمد على إقرارها من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتوفير تخفيف اقتصادي مستدام لصالح إيران، وإنشاء نظام تحقق صارم تشرف عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA).
فيما عانت دول المنطقة، فضلا عن إيران ذاتها، أكثر من غيرها جراء هذا الصراع.
لم تكن هذه الحرب من اختيارها، ومع ذلك أصبحت ضحايا جانبيين لأوزارها.
فقد تعرضت بنيتها التحتية لأضرار بالغة، وتضررت كمراكز رائدة للاستثمار والاستقرار، وأصبح أمنها المستقبلي يتطلب تعاونا فيما بينها.
ومما يثير القلق بنفس القدر تعكر الأجواء بين بعض دول المنطقة، والتي تعد نموذجا يحتذى به للتماسك الإقليمي.
في غضون ذلك، استغلت إسرائيل، ظلال الحرب ودبلوماسية وقف إطلاق النار لإعادة تشكيل الحقائق الإستراتيجية في محيطها الإقليمي.
فقد عززت قبضتها على جزء كبير من أراضي قطاع غزة، واحتلت خُمس الأراضي اللبنانية، وسرعت من وتيرة التوسع في بناء المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة.
والأهم من ذلك، أدى الصراع إلى إخفات الأصوات العربية من خلال تضخيم التصورات المتمحورة حول وجود تهديد وجودي قادم من إيران.
كما تتطلب المهام الأكثر إلحاحا في الوقت الراهن اهتماما بالغا وتركيزا فوريا.
ورغم أن الأسواق المالية قد تفاعلت بشكل إيجابي مع هذا الاختراق الدبلوماسي، فإن تعافي التدفقات التجارية وحركة الطاقة سيستغرق وقتا طويلا.
ويجب أن تعود طرق الشحن، وترتيبات التأمين، وعمليات الموانئ، وثقة المستثمرين جميعها إلى حالتها الطبيعية قبل أن تتجلى العوائد الاقتصادية بشكل كامل.
ويمكن أن يؤدي انخفاض المخاطر الجيوسياسية إلى جذب استثمارات ضخمة في قطاعات الطاقة، والخدمات اللوجيستية، والموانئ، والبتروكيماويات، وإعادة الإعمار، ومشاريع الطاقة المتجددة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
لكن تحقيق مثل هذه النتائج سيستلزم جهدا مستداما والتزاما سياسيا راسخا.
ويتوجب على مساعي السلام الدائم أيضا معالجة الأضرار البيئية الجسيمة التي خلفها الصراع.
فقد أدت عمليات زراعة الألغام في زمن الحرب، والانسكابات النفطية، والضربات التي تعرضت لها السفن، والذخائر غير المنفجرة إلى تدهور خطير في النظم البيئية البحرية في كل من الخليج العربي وخليج عمان.
ويمكن للاستقرار طويل الأمد أن يخلق فرصا واعدة للحماية البيئية المشتركة لمضيق هرمز من خلال المراقبة المنسقة، وآليات الاستجابة الطارئة للانسكابات، وبروتوكولات السلامة البحرية، وتطوير بنية تحتية مقاومة للتغير المناخي.
ويعد هذا التعاون أمرا حيويا لأن الصراع في الخليج يهدد نظما بيئية هشة، بما في ذلك الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف ومصايد الأسماك التي تعد شريان حياة للملايين.
ويتجاوز التحدي الماثل أمام دول الخليج، والشرق الأوسط الأوسع، وإيران، وتركيا، وباكستان، بالتالي، مجرد تنفيذ اتفاق لوقف إطلاق النار.
إذ يتعين على هذه الدول البدء في وضع تصور شامل لهيكل أمن إقليمي جديد لغرب آسيا، وعقد منتدى قادر على تطوير إستراتيجيات فعالة للأمن البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية للطاقة، وإدارة الاتصالات في أوقات الأزمات، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، وتعميق الترابط الاقتصادي.
فيما ينبغي ألا يقتصر هدف باكستان وشركائها ببساطة على منع استئناف الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران؛ ولا ينبغي لهم أن يكتفوا بدور الوسطاء فحسب.
بل تتمثل مهمتهم الكبرى في المساعدة على مأسسة آليات مستدامة يمكنها منع اندلاع النزاعات المستقبلية مرة أخرى في المنطقة.
وسيتطلب تحقيق هذا الهدف إرساء ميثاق إقليمي جديد؛ وهو أمر قد يبدو طموحا، أو حتى مثاليا.
ومع ذلك، فهو يمثل الدرس الأكثر إلحاحا وأهمية المستخلص من هذه الحرب.
ولن يكون المقياس الحقيقي للنجاح الدبلوماسي هو مجرد توقيع مذكرة، بل إنشاء إطار دائم ومتين يضمن عدم تكرار مثل هذه الحروب المأساوية مستقبلا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك