بعد تعادلها مع المغرب في افتتاح مشوارها بكأس العالم 2026، لم تحصل البرازيل على الانطلاقة التي كانت تنتظرها لإعادة إشعال الحماسة حول القميص الأصفر.
فقد أبقى التعادل الأسئلة مفتوحة بشأن قدرة المنتخب على استعادة بريقه الرياضي وتحويل شهرته التاريخية إلى قوة تجارية متجددة، خاصة بعد الوجه الباهت الذي ظهر به، ولاعبيه جلّهم تجاوزوا الثلاثين من أعمارهم ولم يعودوا ينفعون للتسويق.
فخلف القميص الوحيد المرصع بخمس نجوم في المونديال، ووفقا للأرقام التي أوردتها وكالة أسوشييتد برس في ديسمبر/كانون الأول 2024، هناك عقد ملابس رياضية تقدر قيمته بنحو 100 مليون دولار سنويا.
لكن هذه القوة المالية تقابلها فجوة متزايدة بين المنتخب وجمهوره، بعدما أظهر استطلاع لمعهد" داتا فوليا"، نشر في 20 إبريل/نيسان 2026 وشمل 2004 أشخاص، أن 54% من البرازيليين غير مهتمين بمتابعة كأس العالم، وهي نسبة تبدو صادمة في بلد يتنفس كرة القدم.
ويجسد التعادل الذي خرجت به البرازيل أمام المغرب هذه المفارقة، فاقتصاد كرة القدم البرازيلية يواصل التوسع، بينما لا يزال المنتخب يبحث عن الشرارة التي تعيد الطلب على الحلم البرازيلي، وتثبت أن قيمة القميص الأصفر لا تقوم على إرث بيليه وروماريو ورونالدو ورونالدينيو وحدهم.
كشفت البرازيل في مونديال 2026 عن فجوة بين قوة علامتها التجارية الكروية وتراجع أداء المنتج الذي يمنحها قيمتها.
لذلك لا يقتصر الرهان على استعادة اللقب، بل يشمل تحويل الرصيد التاريخي للمنتخب إلى طلب جديد، وتجديد ثقة الجمهور والمعلنين، وضمان ألا يتحول القميص الأصفر إلى علامة مرتفعة القيمة تعتمد على الماضي أكثر مما تصنع فرصها في الحاضر.
اقتصاد ضخم ومنتخب يفقد جمهورهلا تبدو كرة القدم البرازيلية، من حيث الأرقام، صناعة تعاني أزمة مالية.
فبحسب شركة الاستشارات الرياضية البرازيلية" سبورتس فاليو"، حقق أكبر عشرين ناديا في البلاد إيرادات بلغت نحو 2.
73 مليار دولار خلال 2025، مقابل 1.
89 مليار دولار في العام السابق.
وبلغت الإيرادات التشغيلية، من دون احتساب بيع اللاعبين، نحو 1.
95 مليار دولار.
وجاء مبلغ 872 مليون دولار من حقوق البث والجوائز، و727 مليون دولار من انتقالات اللاعبين، و581 مليونا من الأنشطة التجارية، إضافة إلى نحو 391 مليونا من التذاكر والعضويات واستغلال الملاعب.
إنها صناعة تبيع البث والرعاية والتذاكر والمنتجات والمواهب.
غير أن نمو موارد الأندية لا يعني أن المنتخب حافظ على القوة التجارية والعاطفية التي تمتع بها في العقود السابقة.
فاستطلاع" داتا فوليا" لم يكشف فقط أن 54% من البرازيليين غير مهتمين بالبطولة، بل أظهر أن نسبة أصحاب الاهتمام الكبير لم تتجاوز 17%، وأن مستوى العزوف هو الأعلى منذ بداية هذه القياسات عام 1994.
اقتصاديا، لا يخسر المنتخب مشجعا فقط عندما يتراجع الاهتمام به.
إنه يفقد مشتريا محتملا للقميص، ومشاهدا للإعلانات، ومتابعا للمحتوى الرقمي، وعنصرا تعتمد عليه الشركات لقياس العائد من استثماراتها في الرعاية.
فالمعلن لا يشتري الشعار وحده، بل يشتري انتباه الجمهور.
وقد تظل العقود الكبرى مضمونة لسنوات، لكن قيمتها الفعلية تتأثر بمدى تفاعل الناس مع المنتخب ومنتجاته ومبارياته.
كأس العالم أكبر من جائزته الماليةيحصل كل اتحاد كرة مشارك في كأس العالم 2026 على ما لا يقل عن 12.
5 مليون دولار، بينها عشرة ملايين مقابل التأهل والمشاركة و2.
5 مليون لتغطية التحضيرات، ضمن توزيعات رفعها الفيفا إلى 871 مليون دولار للمنتخبات الـ48.
لكن هذه الجائزة ليست الرهان الاقتصادي الأكبر بالنسبة إلى البرازيل.
فالقيمة التي يمكن أن يضيفها مشوار ناجح إلى مبيعات القمصان وعقود الرعاية وحقوق صور اللاعبين قد تتجاوز بكثير المكافأة المباشرة التي يمنحها الفيفا.
فكل مباراة إضافية تمنح الرعاة وقتا أطول للظهور، وترفع نسب المشاهدة، وتوفر محتوى جديدا للحملات الإعلانية والمنصات الرقمية.
كما تمنح اللاعبين فرصة لرفع قيمتهم التجارية، خصوصا إذا ارتبطت أسماؤهم بأهداف أو لحظات حاسمة.
لهذا تمثل كأس العالم 2026 عملية إعادة تقييم للعلامة البرازيلية.
تظهر القيمة التاريخية للمنتخب في الاتفاق الذي أبرمه الاتحاد البرازيلي مع" نايكي".
ويمتد العقد الذي يقدر بـ100 مليون دولار سنويا حتى عام 2038، إضافة إلى نسبة من مبيعات قمصان المنتخب ومنتجاته، وهي عوائد لم تكن مدرجة بالطريقة نفسها في الاتفاق السابق.
وحصل الاتحاد البرازيلي كذلك على حق منح التراخيص التجارية وافتتاح متاجر لمنتجات المنتخب حول العالم.
وبذلك لم تعد استفادته مقتصرة على المبلغ السنوي الثابت، بل أصبحت مرتبطة أيضا بقدرته على بيع القميص وتحويل شعبية المنتخب إلى إيرادات.
وهنا تكتسب نتائج كأس العالم أهميتها.
فالفوز في مباراة كبيرة قد يرفع الطلب على المنتجات، والوصول إلى الأدوار النهائية قد يحول قميص البطولة إلى قطعة مرتبطة بذاكرة جيل كامل.
ويعني ذلك أن الشركة والاتحاد لا يستثمران في قطعة ملابس فقط، بل في قصة رياضية يجب تجديدها باستمرار.
أين اختفى اللاعب الذي يبيع البرازيل؟لا تحتاج العلامة الرياضية إلى الألقاب فقط، بل تحتاج أيضا إلى وجه يختصرها أمام العالم.
سابقا كان بيليه رمزا عالميا للبرازيل قبل أن يصبح التسويق الرياضي صناعة ضخمة.
ثم جاء روماريو، وبعده رونالدو وريفالدو ورونالدينيو وكاكا.
وفي بعض الفترات، امتلك المنتخب عدة لاعبين قادرين على قيادة حملات إعلانية عالمية في الوقت نفسه.
لم يكن اللاعب البرازيلي يبيع أهدافه فقط، بل كان يبيع صورة كاملة ترتبط بالمهارة والمتعة والابتسامة والكرة الهجومية.
وكان ظهور رونالدو الظاهرة أو رونالدينيو في إعلان كافيا لربط المنتج بالبرازيل.
أما نيمار، فكان آخر لاعب برازيلي جمع بين الشهرة الرياضية الواسعة والقوة التجارية خارج الملعب.
ورغم الإصابات وتراجع حضوره، ظل اسمه قادرا على جذب الشركات والجماهير بفضل قاعدة تسويقية بنيت على مدى أكثر من عقد.
بعده، تمتلك البرازيل لاعبين كبارا، يتقدمهم فينيسيوس جونيور، لكنها لم تقدم حتى الآن نجما يختصر المنتخب والدولة بالطريقة نفسها.
وتتركز نسبة مهمة من القيمة التجارية لفينيسيوس في نجاحه مع ريال مدريد الإسباني ودوري أبطال أوروبا.
أما كأس العالم، فتوفر له فرصة التحول من نجم لناد أوروبي إلى وجه عالمي للقميص الأصفر.
البرازيل تصدر اللاعب وتستورد صورتهما زالت البرازيل واحدة من أكبر مصانع اللاعبين في العالم.
وانتقالات اللاعبين والعقود بقدر ما توفر المال للأندية، فهي تمول الأكاديميات والتعاقدات، وتمنح الكرة البرازيلية موردا مهما من العملات الأجنبية.
لكن ذلك يضعف، في المقابل، العلاقة بين الجمهور المحلي ونجومه.
إذ يغادر كثير من اللاعبين في سن مبكرة، وأحيانا قبل أن يصبحوا معروفين على نطاق واسع داخل البلاد.
ثم تتطور موهبتهم في أوروبا، وترتبط أسماؤهم بأنديتهم الجديدة، وتتحول صورتهم إلى منتج عالمي تديره مسابقات وشركات ومنصات خارج البرازيل.
بينما تحصل الأندية البرازيلية على قيمة الانتقال الأولى، لكن الجزء الأكبر من القيمة التجارية النهائية للاعب قد يتحقق في مدريد أو برشلونة الإسباني أو مانشستر يوناتيد الإنكليزي أو باريس سان جيرمان الفرنسي.
وبذلك تصدر البرازيل الموهبة، ثم تستورد صورتها من خلال بث الدوريات الأوروبية.
وقد يعرف الطفل البرازيلي اللاعب عبر قميص ناد أوروبي قبل أن يرتبط به عبر المنتخب.
أما كأس العالم، فهي المسابقة التي تجمع هذه المواهب تحت منتج برازيلي واحد، وتتيح للاتحاد استعادة جزء من القيمة التجارية التي توزعت بين الأندية الأوروبية.
المنتخب القادر على توحيد السوقيمكن لإيرادات الأندية أن تنمو حتى عندما يتراجع المنتخب.
فجماهير الأندية البرازيلية، فلامنغو وبالميراس وكورينثيانز وساو باولو وغيرها تواصل شراء التذاكر والمنتجات ومتابعة المباريات بصرف النظر عن نتائج القميص الأصفر.
لكن المنتخب يمتلك ميزة لا يستطيع أي ناد توفيرها، وهي القدرة على جمع السوق البرازيلية حول حدث واحد.
فعندما تبلغ البرازيل مباراة حاسمة في كأس العالم، تستفيد المطاعم والمتاجر ومنصات التوصيل وشركات الاتصالات والإعلانات والقنوات التلفزيونية، وترتفع المبيعات المرتبطة بالمشاهدة الجماعية.
كما تستطيع البطولة استقطاب جمهور لا يتابع مباريات الأندية بانتظام، لكنه يعود إلى كرة القدم خلال المونديال.
وهذا الجمهور يمثل قيمة خاصة للمعلنين، لأنه يوسع السوق إلى ما وراء المشجع التقليدي.
ومن هنا تأتي أهمية نجاح المنتخب بالنسبة إلى اقتصاد الكرة البرازيلية.
فالأندية تستطيع إنتاج الإيرادات كل على حدة، بينما يستطيع المنتخب جمع هذه القوة التجارية تحت راية واحدة.
الكأس السادسة ليست الجائزة الوحيدةلم تصل البرازيل إلى نهائي كأس العالم منذ تتويجها عام 2002، لكنها لم تتوقف خلال تلك الفترة عن إنتاج المواهب وتحقيق الإيرادات.
الذي تراجع هو قدرة المنتخب على تحويل هذه الصناعة إلى صورة عالمية موحدة.
لذلك لا يمكن قياس نتيجة البرازيل في كأس العالم 2026 بعدد النقاط والانتصارات فقط.
فالاختبار الحقيقي هو مدى قدرة القميص الأصفر على استعادة جمهوره، وإنتاج نجم قادر على حمل العلامة بعد نيمار، وتحويل القوة المالية للأندية وسوق اللاعبين إلى قيمة تجارية يقودها المنتخب.
التعادل أمام المغرب فشل في منح هذه العملية بداية إيجابية، فالبرازيل في المونديال الحالي تلعب من أجل إضافة نجمة سادسة فقط، ومن أجل إثبات أن أشهر علامة كروية في العالم ما زالت قادرة على صنع قصص جديدة، لا بيع قصص الماضي وحدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك