في تصويره شخصيات المهمشين من عمّال ونساء، والمحرومين من الجنسية الكويتية (البدون)، لا يرصد الكاتب الكويتي طالب الرفاعي معاناتهم وآلامهم فحسب، إنما يذهب أبعد من ذلك في تحليل آليات الإقصاء والنبذ، منذ نصوصه الأولى التي نُشرت نهاية السبعينيات، ويكثف من خلالها حالات الاغتراب عن المجتمع والقهر الذي تمارسه سلطة مركبة؛ سياسية واقتصادية وثقافية.
ربما لم يخطر في بال الرفاعي الذي سحبت سلطات بلاده منه الجنسية، أول من أمس الأحد، ضمن قائمة ضمّت 2192 شخصاً، أنه سيواجه ذات يوم مصير واحدٍ من شخصياته، وتحديداً بطل قصة" الرحلة" في أولى مجموعاته القصصية" أبو عجاج طال عمرك" (دار الآداب، بيروت، 1992)، وفيها يجلس مسافر عربي في أحد المطارات، يعيد التأكد من جواز سفره وتذكرته ونقوده، ويقول لنفسه: " إلى أن نموت سنبقى نتأكّد من أوراقنا! ".
يظهر البطل، في هذه القصة، وحيداً مطارداً مثخناً بجراحه ومخنوقاً بعبرته، تماماً مثلما هو حال العالم العربي، بحسب تشبيه الكاتب.
بعد كلّ هذا العمر، يعود منكسراً لا يقوى على رفع هامته، وبينما هو متكئ على مقعده محاولاً النهوض يحدّث نفسه: " كم تراه سيطول السفر؟ ! ".
طوال الساعات الماضية، عبّر كتّاب ومثقفون عرب، عبر حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، عن تضامنهم مع طالب الرفاعي وأسفهم تجاه نزع الجنسية الكويتية من عدد من الأدباء والفنانين خلال السنوات الماضية بعضهم رحلوا منذ عقود، ومنهم أحمد عنبر وعبد العزيز السريع ونوال الكويتية وعبد المحسن السهيل.
ولم تعلن حكومة الكويت حتى الآن الأسباب المحددة لسحب جنسية الرفاعي الذي فاز بجائزة الدولة التشجيعية في حقل الآداب عام 2016 عن روايته" في الهُنا"، ونالها أيضاً عن روايته" رائحة البحر" سنة 2002.
وتشترط حصراً أن يتقدم لها كاتب كويتي الجنسية، ما يطرح مفارقة حول كيفية التعامل الرسمي مع الذاكرة الثقافية التي تُقصى منها رموز وطنية نالت التكريم والتقدير، أم إن هذه الجوائز ستغدو محل مساءلة ما دام الفائز بها لم يعد مواطناً.
رواية الواقع والسيرة الذاتيةشكّل الواقع المادة الأساس في أعمال الرفاعي السردية، القصصية والروائية، وهو الذي حاز درجة بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة الكويت عام 1982، وعمل في مواقع المشاريع الإنشائية مدة خمسة عشر عاماً، حيث اختلط بالعمال والفنيين والمهندسين من عشرات الجنسيات العربية، كما يروي في أكثر من شهادة إبداعية، مشيراً إلى معايشته تجارب إنسانية متنوعة في أقصى عمقها، وتحت شمس حارقة يعنون بها روايته الأولى" ظل الشمس" (1998)، وفيها تحضر ملامح من سيرته الذاتية التي لن تغادر معظم رواياته اللاحقة.
في هذه الرواية، يركّز الكاتب على العجز الذي تتعدد مستوياته لدى عدد من العمّال الوافدين في الكويت، ليتداخل السرد بين غربة أفراد يجمعهم حلم الثروة وتحسين معيشتهم لكنهم يصطدمون بإحباطات مهنية واجتماعية وجنسية، وفي نطاق حركتهم وتشابك علاقاتهم الإنسانية وعلاقات العمل، تتكشف الإزاحات في المجتمع الكويتي بعد طفرة النفط، حيث تغيرت المهن ومجالات العيش وشكل الأسرة وهوية المكان بأسره.
استنكر كتّاب عرب نزع الجنسية من مبدعين كويتيين مؤخراًومهما تغيّر الموضوع الذي يناقشه الرفاعي في نصوصه السردية، يبقى المكان عنصراً فاعلاً في بناء الحدث وإبراز الصراعات النفسية والوجودية التي يخوضها أبطاله، لترتبط هذه التفاعلات بأسماء معالم معينة في الكويت، بحيث تعمّق المتغيرات التي أصابت المدينة الخليجية عموماً عبر النبش في قضايا مسكوت عنها، وتحليل التناقضات في سلوك الفرد والجماعة في لحظة الانتقال السريعة والمضطربة من نمط حياة إلى آخر، واصطدام قيم التراث بالحداثة، مع المرور بتحولات سياسية تركت تأثيرات كبيرة، بدءاً من احتلال الكويت عام 1991 وليس انتهاء بظهور الجماعات المتطرفة التي تصوّرها روايته" خطف الحبيب" (2021)، واستغرقت كتابتها نحو خمس سنوات حيث تدور أحداثها حول شاب ينحدر من عائلة كويتية ثرية، يجد نفسه وحيداً مع انشغال والديه اللذين تصدعت علاقتهما بعد أربعين عاماً من الزواج، فينضم إلى أحد التنظيمات الإرهابية وينتهي قتيلاً.
لا ينسج الرفاعي سرداً تقليدياً لحكاية وقعت أحداثها، أو جزء منها، في حواضر عربية عديدة خلال العقدين الماضيين، بل يشرّح واقع الحكاية بمنظور أوسع يمتد إلى مآزق المنطقة العربية التي تغيب عنها الحريات والعدالة الاجتماعية وتستلب مجتمعاتها للاستهلاك والفراغ الروحي وانعدام المعنى، وترتد نحو أفكار متشددة تنتهك أبسط حقوق الفرد وتقتل طموحاته وأحلامه.
الرفاعي الذي نال شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة كنغستون اللندنية، أقدم على مغامرة مختلفة في نشر هذه الرواية حيث صدرت في يوم واحد عن أربعة عشر ناشراً عربياً، في محاولة منه لمحاكاة تجربة سلسلة" عالم المعرفة"، الدورية التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وتوزّع في معظم البلدان العربية، لكنه أوضح أنه لن يكرر التجربة مرة أخرى، وفق مقابلة صحافية أجراها مؤخراً، من دون أن يوضّح ما إذا كانت مغامرة ناجحة في مقياس الانتشار والرواج.
ناقشت أعماله القصصية والروائية قضايا العمالة الوافدة والنساء والمحرومين من الجنسيةالتفكير خارج الكتابة أو على حدود التماس معها، دفع صاحب رواية" النجدي" (2017) إلى الانخراط في أنشطة وانشغالات متعددة، حيث أسس مع الكاتبين الكويتيين إسماعيل فهد إسماعيل وليلى العثمان عام 2011 صالون أدبياً باسم" الملتقى الثقافي"، هدف إلى استضافة مثقفين كويتيين وعرب بشكل دوري.
وبعد أربع سنوات، أطلق الملتقى جائزة باسمه للقصة القصيرة العربية، بالتعاون مع الجامعة الأميركية في الكويت (AUK)، التي انتظمت في ثماني دورات حتى اليوم.
إلى جانب ذلك، يستمر الرفاعي في تقديم ورش في الكتابة الإبداعية التي احترفها منذ زمن، خاصة في مجال القصة القصيرة التي يصر على أنها الفن الأقرب إليه رغم إصداره تسع روايات، وهو لا ينفصل عن همّ ينعكس في تواصله الدائم مع كتّاب من أجيال شابة ورغبته بالتبشير بأصوات جديدة، وهمّ أكبر يتعلق بإقامة حوار دائم حول الكتابة لا ينقطع عن مجلسه في الكويت، الذي واظب فيه على استضافة معظم زوّار بلده من الكتّاب والمثقفين العرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك