أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إجبار شركة أنثروبيك على تعليق الوصول إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، التي تُصنَّف بين الأكثر تقدما في العالم، موجة واسعة من الجدل والقلق في أوروبا.
وبينما بررت الإدارة الأمريكية الخطوة بدواع تتعلق بالأمن القومي، اعتبرها مراقبون أوروبيون بمثابة" درس" تلقنه الولايات المتحدة للقارة في السيادة الرقمية، إذ كشف القرار عن حجم النفوذ الأمريكي في قطاع الذكاء الاصطناعي وإمكانية التحكم في الوصول لتقنياته بقرار سياسي.
list 1 of 2من العقار إلى العقيدة.
كيف يعيد اليمين المسيحي بناء نفسه في أمريكا؟list 2 of 2اقتحام في عرض البحر.
هل فتحت بريطانيا جبهة حرب جديدة مع روسيا؟وأعادت هذه القضية إلى الواجهة نقاشات متصاعدة حول السيادة الرقمية والعلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأمن القومي، وما إذا كان العالم قد دخل بالفعل مرحلة جديدة من التنافس على امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي.
واستنادا إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي، أمرت إدارة ترمب شركة أنثروبيك بمنع أي مواطن غير أمريكي، بمن فيهم الموظفون الأجانب العاملون لديها، من الوصول إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي المعروفة باسم" فابل 5″ و" ميثوس 5″، ما أسفر عن تعليق الشركة استخدام النموذجين بالكامل.
وكانت أنثروبيك قد أطلقت قبل فترة وجيزة نموذج" فابل"، وهو نسخة مقيّدة من نموذجها" ميثوس"، الذي يُعد من أكثر النماذج اللغوية الكبرى" إل إل إم" تقدما في العالم، ويتمتع بقدرات فائقة في مجال الاختراق الإلكتروني إلى جانب مهام أخرى تُصنَّف على أنها خطرة، حسبما أوردت مجلة إيكونوميست البريطانية.
وبينما لم يتضح بعد الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية لفرض هذا التعليق، ينقل التقرير عن الشركة قولها إن القرار جاء بموجب توجيهات تتعلق بضوابط التصدير.
ويرجّح تشارلي بولوك الباحث الأول في معهد القانون والذكاء الاصطناعي أن الحكومة استخدمت لوائح إدارة التصدير التابعة لوزارة التجارة الأمريكية، وهي اللوائح نفسها التي تُستخدم لتقييد تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين، وفق المجلة.
+لم يتضح بعد الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية لفرض هذا التعليق، ينقل التقرير عن الشركة قولها إن القرار جاء بموجب توجيهات تتعلق بضوابط التصديروتختلف الروايات بشأن الأحداث التي سبقت تدخل الإدارة الأمريكية.
فبحسب تقارير، أبلغ آندي جاسي الرئيس التنفيذي لشركة أمازون -التي تمتلك حصة كبيرة في أنثروبيك- إدارة ترمب باكتشاف ثغرات أمنية في نموذج" فابل 5" تسمح بإزالة أو تجاوز الضوابط الأمنية، التي جعلت النموذج أقل قوة من" ميثوس".
في المقابل، تؤكد أنثروبيك -كما يوضح التقرير- أن التقنيات المستخدمة لم تكشف سوى عن عدد محدود من الثغرات الطفيفة المعروفة مسبقا، والتي يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي المنافسة رصدها أيضا.
وتقول المديرة التنفيذية المؤقتة لمركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون هيلين تونر إن الحلفاء قد يجدون بعض العزاء في أن هذه السياسة يصعب تطبيقها على المدى الطويل، نظرا إلى العدد الكبير من الأجانب العاملين داخل شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
كما يشكك التقرير في فعالية هذه السياسة، إذ تشير سينثيا كايزر، المسؤولة السابقة في قسم الجرائم الإلكترونية بمكتب التحقيقات الفيدرالي، إلى أن المخترقين يستطيعون شراء هويات أمريكية في السوق السوداء تتيح لهم الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أدوات تساعدهم على كسر حمايتها.
ومن الناحية النظرية، كان يمكن لمركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي -وهو هيئة حكومية مكلفة بتقييم النماذج الرائدة لرصد أي قدرات خطيرة- أن يؤدي دور جهة مستقلة للفصل في مثل هذه الخلافات، لكن الإدارة الأمريكية وجهت إليه الأوامر في الأيام الأخيرة بالتوقف عن نشر تقاريره العلنية، طبقا للمجلة.
ويشير التقرير إلى أنه مع تحول مسألة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى قضية تتعلق بالأمن القومي، ازدادت سياسات الحوكمة الأمريكية في هذا المجال غموضا وافتقارا إلى الشفافية.
وترى صحيفة لوتان السويسرية، في مقال لرئيس القسم التحريري المختص بالأمن السيبراني أنوش سيدتاغيا، أن الولايات المتحدة لقّنت أوروبا درسا في السيادة الرقمية، مفاده أن أي تقنية حيوية لا تملك السيطرة عليها يمكن أن تختفي بين ليلة وضحاها.
ووفقا للمقال، فإن الاتحاد الأوروبي كان قد حصل على حق الوصول إلى نموذج" ميثوس" في مطلع يونيو/حزيران الجاري بعد أسابيع من المفاوضات.
وعقب القرار، اعتبرت المفوضية الأوروبية أن هذه الخطوة تؤكد مجددا حاجة القارة إلى تعزيز سيادتها التكنولوجية.
ويؤكد الكاتب أن ذلك لا يعني أن أوروبا مطالبة بتطوير كل شيء بمفردها، لكنه يرى أنها بحاجة إلى بدائل موثوقة في القطاعات الأكثر إستراتيجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
ويخلص سيدتاغيا إلى أن السيادة الرقمية الأوروبية ليست شعارا نظريا، بل تكمن في القدرة على الحفاظ على حرية الحركة واتخاذ القرار عندما يصبح الوصول إلى التقنيات الحيوية مشروطا.
وفي فرنسا، أثار القرار ردود أفعال متقاربة، إذ نقلت صحيفة لوموند عن رئيس حزب أقصى اليمين" التجمع الوطني" جوردان بارديلا قوله إن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل" قضية سيادة وطنية كبرى".
في حين دعا رئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب أوروبا إلى" الاستيقاظ" وإعطاء الأولوية للحلول التكنولوجية الأوروبية، معتبرا أن القارة لا تتحكم في نماذج الذكاء الاصطناعي أو القدرات الحاسوبية اللازمة لتطويرها.
وفي قراءة أوسع لتداعيات القرار، تصف إيكونوميست الخطوة بأنها" نقطة تحول جيوسياسية"، مشيرة إلى أن واشنطن تتمتع حاليا بتفوق واضح في مجال الذكاء الاصطناعي، بينما يُعتقد أن بكين متأخرة بنحو عام بسبب القيود الأمريكية المفروضة على رقائق الذكاء الاصطناعي.
كما تعتبر أن هذا التفوق قد يصبح غير قابل للمنافسة إذا نجحت أنثروبيك أو مختبرات أمريكية أخرى في تحقيق ما يُعرف بـ" التحسين الذاتي المتكرر" (آر إس آي)، أي قدرة النماذج على تطوير نسخ أفضل من نفسها وتسريع وتيرة التقدم بصورة ذاتية، وهو احتمال يرى كثير من الخبراء في المجال أنه ممكن بالفعل.
وترى المجلة البريطانية أن التكنولوجيا النووية قد تكون التشبيه الأقرب لفهم ما يجري، وهو تشبيه طالما ألهم باحثي الذكاء الاصطناعي وأثار فضولهم ومخاوفهم في آن واحد.
ويجد هذا التصور صدى أيضا في فرنسا، إذ يعتبر المرشح الرئاسي عن حزب" الجمهوريون" برونو روتايو أنه ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي كما تعاملت البلاد مع الطاقة النووية.
كما تنقل لوموند عن رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح الرئاسي غابرييل أتال قوله إن" حرب الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل"، مشبها شركة" أنثروبيك" بـ" مضيق هرمز" الأمريكي، في إشارة إلى موقعها الحيوي وتأثيرها في تدفقات التكنولوجيا العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك