«الكريمات» يعرفها أهل بغداد كواحدة من محلات بغداد القديمة في جهة الكرخ، تشترك مع باب السيف والشوّاكة بذاكرة واحدة، لم تشأ طيلة عقود من الزمن أن تبدّل اسمها.
تتصل «الصالحية» ببيوتها الوديعة الممتدة على ضفاف دجلة اليمنى، يقرأ بين يديها البراءة وخفايا الليالي.
الشارع الذي يفصل هذه الأحياء عن دار الإذاعة، يؤدي إلى جسر الأحرار، بدءاً من ساحة حصان الملك فيصل الأول حتى مقتربات الجسر، لا يبلغ في الطول أكثر من مئة متر.
غير أن الشارع أيام الخمسينيات والستينيات كان مليئاً بالأضواء، تتوسط جانبه الأيسر سينما «ريجنت» عجباً للمباني وهي تضحك، يوم بغداد مثل طفل بريء، أشبه بفتاة فاتنة، ونفحة فجر.
في الركن المطل على دجلة من الجهة الثانية من الشارع، كان ملهى «ليالي الصفا» وهو يتوهج باشتعال الأضواء والأغاني، والرغبات المكبوتة لأفخاذ الراقصات في آخر الليل.
كانت الأغاني تتهادى على سطح الماء، الوجوه غارقة في أحلامها المؤجلة، لرجال أنهكمهم التعب اليومي، لا يترددون في إعلان شبقهم في الكأس الثانية.
أبناء تلك الأحياء معروفون بالأمانة والأمان، بيوتهم مفتوحة تحرسها الطيور، والأشجار المنتشرة في حدائق الكريمات والصالحية.
وما جاورهما.
عتبات الدور واحدة، وشرفاتها تمتلئ بالسلام والمحبّة، والنساء يتبادلن الحكايات وهن يحتضن العطر والحنّاء بين الأصابع والضفائر.
جسرا الشهداء والأحرار لا يطوقان المحلة من الشمال والجنوب، إنما يفتحان فضاءً واسعاً لهما نحو البنايات العالية والنور والأحلام، ويأخذان بيدها إلى حيث الماء المتدفق، الذي منح أبناء الكريمات نشوة عارمة بالأزقة الضيقة الملتوية، وبالشرفات المتقابلة بنوافذها المشرعة، وبالحياة والاعتزاز بالأرض والحياة.
ابن الكريمات يجد في تلك الأجواء متعة وطعماً لا يريد التفريط بهما، ظل متمسكاً بهما، ومنشداً لهما، حتى بعد أن شقّت «الشفلات» المحلة، وقطّعت أوصالها «البلدوزرات»، لتحل محلها البنايات الشاهقة، والشوارع الواسعة.
ليس من الصدف أن يجد «أبو ناجي» موطئ قدم له في هذه البقعة من بغداد.
ليشيّد عليها سفارته منذ السنوات الأولى للانتداب البريطاني، بمساحة تتجاوز العشرات من الدونمات الخصبة على ضفاف نهر دجلة.
تصاعدت جدران بناء السفارة، لم يكن ابن الشوّاكة غير آبه بما يدور خلف الحيطان، ولم يكن بعيداً عن الأحداث الساخنة التي عصفت بالعراق، بل هو في وسطها.
حينما يريد المواجهة في الأحداث الفاصلة.
فكان مصدر قلق وإزعاج للساسة الذين يقيمون هناك.
الأمر الذي يدعهم يفكرون بأن وجودهم لن يطول، لذا سرعان ما أطاح العراقيون في صبيحة الرابع عشر من تموز/يوليو برمز الاحتلال (الجنرال مود) الرابض في ساحة الشوّاكة.
لمحلة الكريمات (مختار) شأن أحياء بغداد ومدن العراق الأخرى، وهي وظيفة شرفية ابتدعتها السلطات العثمانية، مهمتها الوساطة بين عامة الناس والحكومة، في غياب القضاء والإدارات المحلية.
جرى التقليد أن يتمتع المختار بالوجاهة والاحترام بين أبناء محلته، لا يملك غير (الُمهر) الذي يصادق فيه على معاملات الناس.
قبل أن يتحول (المختارون) إلى مخبرين وعملاء للسلطة، مارسوا أبشع أشكال الابتزاز والمشاركة في (حفلات) الإعدام في سنوات الحروب.
عُرف العراقيون باستخدام الكتابة أو التورية والمجاز في اللغة، بمناسبات عديدة يلجأون إليها، حين يجدون في ذلك ضرورة لمواجهة سلطة أو مسؤول، أو جهة ما، تثير لهم المتاعب أو تسلب حرياتهم وحقوقهم، ليعبروا بها عن مكنوناتهم الرافضة الساخطة، أو المستنكرة لواقع سياسي زائف، أو وضع اقتصادي متدهور، ولاسيما أيام الأزمات والمحن التي تواجه العراق.
وكثيراً ما كانت تلك اللغة تجد لها صدىً واسعاً وانتشاراً وقبولاً واسعين وسريعين في أوساط المجتمع، تردد في المحافل والمنتديات، أو تتناقلها الأجيال.
فجاء مصطلح (مختار الكريمات) كنايةً عن الدور الفعلي للسفير البريطاني آنذاك في إدارة الدولة، ورسم سياساتها، والتحكم في قراراتها وتوجهاتها وعلاقاتها العامة، كما أنه كان يعطي الدليل على الحيوية والمرونة والقدرة على الاستيعاب التي يتمتع بها الشعب العراقي، في فهم الواقع السياسي بكل خفاياه، والتشخيص الناصح، لتردي دور الحكومة الهامشي والضعيف في إدارة شؤون البلاد، وتحولها إلى أداة مطيعة لتنفيذ السياسة البريطانية وتحقيق مصالحها الاستراتيجية في العراق.
من المؤسف حقاً، بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن من الزمن، أن يعود العراق إلى نقطة الصفر مجدداً، وتدور عجلة التاريخ إلى الوراء، ليقدم لنا نموذجاً آخر لـ(مختار الكريمات).
فيرمي بالبلاد بحقل ألغام متفجر، ويدخلها في دوامة العنف والإرهاب والقتل ونهب الثروات.
ويعود من جديد (مختار المنطقة الخضراء) ليمهر المعاملات المعطّلة والمؤجلة والقابلة للتنفيذ.
إن الفارق بين (المختارين) الأول والثاني، هو أن الأخير لا يريد أن يبقى وحده في المنطقة الخضراء، مثلما كان الأول مستأثراً بهواء دجلة ومائها، بل يريد مشاركة الملوك والطوائف بهذه الامتيازات، أن يأخذوا حصتهم منها جميعاً بعد أداء فريضة الوضوء، ونصيبهم من (النعيم) الذي مكّنهم من حرمان (الفرد) العراقي من (نعيم) ساعتين متواصلتين من الكهرباء!رحم الله (مختار الكريمات) الحقيقي، الذي يتذكره البغداديون بالطيب، ويدعون له بالمغفرة والجنةّ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك