حرائق كبيرة التهمت مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالقمح في الأردن، وتسببت بتلف كميات كبيرة من المحاصيل خلال الأيام الماضية، وهذه الحرائق غير مألوفة ولا معهودة وهو ما دفع الكثيرين إلى التساؤل عن أسبابها، والاعتقاد بأنها مفتعلة، خاصة أن الحكومة التزمت الصمت، وربما يكون هذا الصمت بسبب انتظار التحقيق ونتائجه.
للقمح وضع استثنائي في الأردن، فهو سلعة استراتيجية بالغة الأهمية، وهو الذي بوجوده وتأمينه يتحقق الأمن الغذائي وبغيابه ينعدم هذا الأمن، والخبز الذي يُصنع من القمح كان سبباً في إشعال شرارة انتفاضة شعبية كبرى في عام 1996 انتهت بالإطاحة بحكومة عبد الكريم الكباريتي وإنهاء الحياة السياسية لرئيس تلك الحكومة، ويومها تأكد أن الخبز أو القمح – أو كليهما- هو سلعة استراتيجية بالغة الحساسية عند الأردنيين.
الأردن ليس كاليفورنيا، التي اعتادت على حرائق الغابات، ومزارع القمح ليست غابات أصلاً حتى تلتهمها الحرائق الموسمية، ووسائل الإعلام تتحدث عن احتراق مئات الدونمات وليس مساحات محدودة، وهذا كله يُعزز شكوك الأردنيين، الذين يقولون إنها حرائق مفتعلة وليست عابرة، فضلاً عن أنها تأتي في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة، حيث يشهد الأردن موجة تحول غير مسبوقة في العادات الغذائية، بعد أن بات أغلب الناس على قناعة بأن نظامهم الغذائي مرتهن للشركات الأجنبية التي تبيعهم الطعام المعدل وراثياً، والمحتوي على المواد الكيماوية الضارة بالصحة، مقابل تحقيق هذه الشركات لمكاسب مالية ضخمة.
خلال السنوات القليلة الأخيرة نجح ناشط ورجل أعمال أردني اسمه ليث الدويكات في إحداث ثورة غذائية مكتملة الأركان، إذ كان يعمل في مجال المقاولات، عندما قرر ترك المقاولات والتفرغ لزراعة القمح، لكن الدويكات لم تقتصر ثورته على الزراعة التقليدية، وإنما أطلق حملة للتخلص من المزروعات المعدلة وراثياً أولاً، وبعد زراعة القمح الأصلي الخالص، دعا الناس للاستغناء عن الدقيق الأبيض الذي يُصنع منه الخبز التقليدي، وذلك على قاعدة أنه مادة ضارة بصحة الإنسان، وهي التي تُسبب انتشار أمراض السكري والسرطان.
أمضى الدويكات سنوات في هذا العمل، وأسس مزارع لإنتاج القمح الصحي الأردني، الذي لم تعبث به أيدي البشر، ومؤخراً أطلق سلسلة مخابز لطالما قال إن الهدف منها تحقيق الأمن الغذائي للأردنيين، وهو أمن لا يقوم فقط على توفير الطعام، وإنما يمتد إلى نوعية الطعام والحفاظ على مصادر طعام أصلية وصحية وغير معدلة وراثياً ولا مغذاة بالمواد الكيماوية.
كما يحلو للدويكات دوماً أن يتباهى بأن كل العملية الإنتاجية يقوم بها مواطنون أردنيون، وأنه لا يعتمد في شيء على أي منتج أجنبي ولا على أي خبرة من الخارج ولا على أي عمال مستوردين.
انتهى الأمر بأن الأردن أصبح يشهد «ثورة غذائية» مكتملة الأركان منذ شهور، فأكياس الدقيق الأبيض لم تعد تجد من يشتريها، أو على الأقل انخفض الطلب عليها لصالح الطلب على ما يسميه الدويكات «دقيق القمح الحبة الكاملة»، وهو الطحين الذي يتم بواسطته إنتاج الخبز الصحي، وليس الخبز الأبيض التجاري.
وبطبيعة الحال لم تتوقف «الثورة الاستهلاكية» في الأردن عند القمح والدقيق والخبز، وإنما توسعت إلى العديد من السلع الأخرى، فانخفض الطلب على الدجاج والبيض، الذي يتم إنتاجه تجارياً في المزارع، وذلك على اعتبار أنها سلع مُحسنة ويتم تغذيتها بمواد كيماوية لزيادة الإنتاج وتقليل التكلفة ورفع الأرباح التي تنتهي إلى جيوب أصحاب رأس المال.
وبينما يُكافح الأردنيون من أجل زراعة قمحهم على أرضهم، فإن البيانات والاحصاءات الرسمية تُشير إلى أن الأردن لا يزال يستورد نحو 98% من حاجته من القمح، بينما يزرع 2% فقط.
واللافت أن واردات القمح الأردنية كافة، تأتي من دول أجنبية وليس من أية دولة عربية.
لا تتوقف الحكاية هنا، فبينما كانت النيرانُ تلتهمُ مزارعَ القمح في شمال الأردن نشرت وكالة «رويترز» خبراً لم ينتبه له أحد يوم التاسع من يونيو/ حزيران 2026 يقول، إن الحكومة أبرمت صفقة لشراء نحو 60 ألف طن من القمح، وذلك عبر مناقصة دولية.
وفازت بهذه المناقصة شركة (سي.
إتش.
إس) التجارية التي باعت للأردن القمح مقابل 275.
20 دولار للطن الواحد.
ولمن لا يعرف فشركة «سي.
إتش.
إس» هي شركة أمريكية عملاقة تُعرف بأنها «واحدة من أكبر التعاونيات الزراعية»، لأنها مملوكة لعدد من المزارعين في الولايات المتحدة، والمقر الرئيس لهذه الشركة في ولاية مينيسوتا.
فهل هي مجرد مصادفة أن يحترق القمحُ الأردني في الوقت نفسه الذي يتم فيه شراءُ القمح الأمريكي؟ ربما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك