كسرت مجلة “ليكسبريس” الفرنسية الهدوء الذي طبع المشهدين السياسي والإعلامي في فرنسا بخصوص العلاقات مع الجزائر خلال الأسابيع القليلة الماضية، بحوار مع السفير الفرنسي الأسبق بالجزائر، كزافيي دريانكور، وفتحت له المجال واسعا ليهاجم الجزائر مجددا.
وعادة ما يكون خروج هذا الدبلوماسي المتقاعد الذي عمل في الجزائر كسفير على مرحلتين في المنابر الإعلامية الفرنسية محسوبا بدقة، ومؤشرا على وجود صراعات في دواليب الدولة الفرنسية في ضبط العلاقات مع الجزائر، والتي لم تستعد بعد هدوءها النسبي، منذ تفجيرها من قبل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في 30 جويلية 2024، عندما قرر تغيير موقف بلاده من القضية الصحراوية رغم إدراكه بخطورة ما أقدم عليه.
وفي مقال جاء تحت عنوان: “نحن لا نفعل سوى انتظار الأزمة التالية”، استفاض سفير فرنسا السابق بالجزائر من 2008 إلى 2012، ومن 2017 إلى 2020، في إطلاق تصريحات استفزازية تجاه الجزائر، لمجرد أنها تطالب بحقوق تكفلها التشريعات والقوانين والأعراف الدولية، ولاسيما تلك المتعلقة بالاستعمار وجرائمه بحق الأرض والشعب والثورات.
وفي الحوار الذي نشر على موقع مجلة “لكسبريس” على الأنترنيت، مساء الأحد 14 جوان الجاري، يرى دريانكور أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا دخلت منذ سنوات في دورة متكررة من الأزمات الدبلوماسية المتكررة، مشيرا إلى “فشل باريس في بناء علاقة مستقرة مع الجزائر، بينما تستمر الملفات التاريخية والسياسية والهجرة والأمن في إعادة إنتاج التوتر”.
وفي نظر كزافيي دريانكور المعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة والمعادية للجزائر، فإن صناع القرار في باريس غالبا ما يسيئون فهم طريقة عمل السلطات الجزائرية وآليات اتخاذ القرارات، وهو ما يفسر تكرار الأزمات الثنائية من حين لآخر، بسبب مواقف أو قرارات يعلن عنها هنا أو هناك، كما ردد عبارات باتت معهودة بالنسبة إليه، من قبيل أن الطرف الجزائري يتخذ من قضية الذاكرة ملفا ثقيلا في الصراع مع باريس.
ومعلوم أن الدبلوماسي الفرنسي المتقاعد محسوب على الأوساط السياسية الفرنسية التي لم تهضم بعد تمكن الجزائريين من طرد المحتل الفرنسي بالرصاص، وغالبا ما تكون تصريحاته مدفوعة بعنصر الانتقام من طرف من عرف كيف يبني دولة سيدة وغير تابعة في قراراتها ومواقفها، للمستعمر السابق، وهو مشهد شبه نادر بين المستعمرات الفرنسية السابقة، إلا في الآونة الأخيرة، وفي منطقة الساحل تحديدا.
واستنادا إلى ما جاء في الحوار، فإن السلطات الجزائرية “شديدة الحساسية تجاه فرنسا”، وهو ما جعل العلاقات الثنائية تتضرر لأبسط الأمور، على حد زعمه، كما ساهم ذلك في تحويل العلاقات الثنائية إلى ملف سياسي داخلي في الجزائر، وهو توصيف ناقضه الكثير من المسؤولين الفرنسيين، الذين اعترفوا أيضا بأن باريس تعتبر العلاقات مع الجزائر شأنا داخليا فرنسيا، وأرجعوا السبب إلى الجالية الجزائرية المتواجدة بالملايين على التراب الفرنسي.
وفي السياق ذاته، انتقد الحكومات الفرنسية المتعاقبة، بما فيها الحكومات التي عينها الرئيس الفرنسي الحالي، بسبب ما اعتبره “تنازلات كثيرة” من قبل قصر الإيليزي، للجزائر، مشيرا إلى أن كل ما تم على هذا الصعيد، كان مجرد محاولات “لإعادة ضبط العلاقة”، بدل الذهاب إلى العمق ومعالجة أسباب الخلاف الأساسية، معترفا في الوقت ذاته، بفشل كل الضغوط التي مارستها باريس على الجزائر، من أجل ثنيها عن مواقفها المتشددة في بناء علاقات قائمة على الندية واحترام الآخر.
وانطلاقا من اقتناعه بأن العلاقات مع الجزائر لا تسير في صالح باريس، يدعو كزافيي دريانكور، إلى ما يسميه “علاقة أكثر واقعية وأقل أوهاما”، على حد تعبيره، مفضلا التعامل مع الجزائر انطلاقا من توازن المصالح وليس من الاعتبارات التاريخية أو العاطفية فقط، وهي المواقف التي عبر عنها سياسيون معروفون بتوجهاتهم اليمينية واليمينية المتطرفة، في كل من حزب لوبان “التجمع الوطني”، و”الجمهوريون” بقيادة السياسي المثير للجدل، برونو روتايو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك