في الاتجاه ذاته، وبعد أن تواترت الأنباء عن رغبة نتنياهو في استبدال الانتخابات التمهيدية لاختيار قائمة الحزب في انتخابات الكنيست بلجنة لاختيار مرشحي القائمة يشكلها هو، ليضمن لنفسه تعيين ما بين خمس إلى سبع شخصيات يختارها بنفسه؛ تحاشياً لفرض قاعدة الحزب أشخاصاً لا يرغب فيهم.
وتمثل هذه الخطوة- في حال تنفيذها- القضاء على آخر المبادئ الديمقراطية في حزب الليكود، وتحويله إلى حزب الرجل الواحد، شأنه في ذلك شأن الأنظمة السلطوية والشمولية في أكثر دول العالم الثالث تخلفاً.
وبعيداً عن جدوى هذه الخطوة، ومدى إمكانية تمريرها، فإنها تكشف عن استراتيجية قائمة على" ثقافة الولاء للزعيم" في التعيينات، كإحدى أبرز أدوات البقاء السياسي، وإحكام القبضة على مفاصل الحزب ومؤسسات الدولة.
إن هذا الخوف من صعود شخصيات تناهض سياسة نتنياهو، أو قادرة على طرح نفسها كبديل محتمل له في حال إجراء انتخابات حزبية نزيهة، يفسر على نحو لا يدع مجالاً للشك منهج نتنياهو وسياساته الحزبية.
فمنذ توليه رئاسة الحزب، انتهج سياسة" التجريف المتعمد" للقواعد القادرة على إفراز كادر حزبي جديد، عبر تصعيد الحملات الإعلامية الممنهجة على وسائل الإعلام الموالية لنتنياهو مثل" إسرائيل هيوم" والقناة 14؛ وهي وسائل أصبحت علاقة نتنياهو ببعض منها محور ملفات منظورة أمام القضاء الإسرائيلي.
هذا النهج يستنزف الخصوم في معارك مستمرة للدفاع عن أنفسهم، أو يدفعهم لاختيار الطريق الأسهل بمغادرة معترك العمل السياسي كما حدث مع شخصيات مثل يوآف غالانت وغيره.
إن حالة الحصار السياسي التي يعيشها نتنياهو، وتزايد الانتقادات الداخلية على أدائه على جبهات عسكرية فتحت دون ضرورة أو استراتيجية سياسية واضحة، دفعته للاعتقاد بأن أدنى ممارسة ديمقراطية قد تطيح به خارج الحلبة السياسية بلا عودة.
وفي هذا السياق، يبدو نتنياهو مستعداً لتقديم حزبه كقربان لضمان بقائه السياسي، واستقرار مقعده كرئيس للوزراء.
هذا التوجه، المضاف إليه استثماره الطويل في تصفية خصومه وتهميش المرشحين المحتملين، جعل من معظم الشخصيات الحالية داخل الليكود مجرد ظلال لشخصيته، مما أدخل الحزب في حالة من 'التحنيط السياسي' الذي توقف فيه عند منهج عبادة الشخص.
وهو واقع سيدفع -لا محالة- الكفاءات الحزبية إلى البحث عن ملاذ ديمقراطي في أحزاب أخرى، فيما يشبه الهجرة السياسية الجماعية.
لقد كرّس فوز نتنياهو المتتالي بالتزكية برئاسة الحزب حالة الموت السريري لليكود، محولاً إياه من إطار عمل سياسي تفاعلي إلى ما يشبه" رابطة الولاء" التي تجمع في صفهوفها مجموعة من الموظفين لا أكثر.
وبالنظر إلى تاريخ الأحزاب الإسرائيلية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، نجد أن معضلتها الأساسية -على اختلاف توجهاتها الصهيونية، واليسارية، واليمينية، والوسطية، والدينية، وحتى العربية- تظهر وتختفي نتيجة لهذه العقدة.
وكما باتت شخصية الرجل الأول في حزب العمل مجهولة اليوم، لا يكاد أحد يعرف مَن هو الرجل الثاني في أحزابٍ مثل يوجد مستقبل، أو 'إسرائيل بيتنا'، أو 'القوة اليهودية'؛ وهو ما يعكس أزمة قيادةٍ هيكلية تهدد وجود هذه الكيانات بمجرد غياب زعمائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك