قناة الشرق للأخبار - مهرجان كان.. قراءة لـ 7 من أفضل أفلام المسابقة قناة الجزيرة مباشر - A memorandum of understanding between the US and Iran paves the way for a second round of negotia... وكالة سبوتنيك - ترامب: إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي نهائيا العربي الجديد - الجزائر... أزمة الشحن العالمية تُفرمل استيراد السيارات وكالة شينخوا الصينية - (وسائط متعددة) بذور دوار الشمس من شمالي الصين تفوح عبيرا في دبي وكالة شينخوا الصينية - الصين توسع نطاق وصول الكاجو الأفريقي لأسواقها قناة التليفزيون العربي - لبنان ضمن بنود الاتفاق بين واشنطن وطهران.. ترحيب واسع في بيروت، أوروبا تتفاعل وإسرائيل ترفض الانسحاب الجزيرة نت - السودان.. توثيق عشرات آلاف حالات القتل والاغتصاب والاختفاء القسري وكالة شينخوا الصينية - سوق النقد الأجنبي في الصين تحافظ على الاستقرار خلال مايو سيلفي سبورت - مصر 1-1 بلجيكا | السعودي 1-1 أوروغواي
عامة

تفكيك العملية الإبداعية وصناعة الإنسان الأبله

العربي الجديد
العربي الجديد منذ ساعتين

يقول الكاتب بول هاينريش: " حاولت الكتابة في وقت مبكر من حياتي، لكنني وجدت الكلمات فيما بعد". فماذا عن الذي قلب هذه المعادلة الإبداعية، من وجد الكلمات قبل أن يجيد الكتابة؟في تحديدنا لموقفنا تجاه العا...

يقول الكاتب بول هاينريش: " حاولت الكتابة في وقت مبكر من حياتي، لكنني وجدت الكلمات فيما بعد".

فماذا عن الذي قلب هذه المعادلة الإبداعية، من وجد الكلمات قبل أن يجيد الكتابة؟في تحديدنا لموقفنا تجاه العالم اكتشفنا" الإبداع"، ذلك الممر الصغير الذي ما إن عبرناه حتى تحول إلى الكون بأسره، وفي تحوله هذا أضفى على الوجود صيغة الماهية.

لم تعد الأشياء موجودة بالصدفة ولا هامشية كما كانت أولاً، بل إن كل ما هو موجود يملك" القيمة".

وكل ما هو مقدم حول البشرية أشبه بعملية رياضية إبداعية، ومهمتنا الآن هي إيجاد قوانيننا لحل الجمل الجمالية المطروحة أينما نظرنا.

لقد صنعت العملية الإبداعية إنساناً لا متناهياً، يمكنه أن يتجاوز عمره، ويمكنه أيضاً أن يجد أسئلته المدفونة داخل جبال كاملة من جثث الأجوبة الجاهزة، كما مكنته من المحافظة على إلزامية التفكير.

لقد صنعت العملية الإبداعية إنساناً لا متناهياً، يمكنه أن يتجاوز عمره، ويمكنه أيضاً أن يجد أسئلته المدفونة داخل جبال كاملة من جثث الأجوبة الجاهزةلقد وقف الفيلسوف والناشط الفرنسي أندريه مالرو على مفهوم فلسفي يراه دولوز مثيراً جداً للإعجاب، إذ قال ببساطة شديدة: " إن الفن هو الشيء الوحيد الذي يقاوم الموت".

وتعريف مالرو، على قدر بساطته، إلّا أنه وقف على جوهر العمل الفني بوصفه فعلاً من أفعال المقاومة.

والمقصود بالموت هنا ليس خروج الروح من الجسد، بل مقاومة موت المعنى، ومقاومة انتصار الطالح على الصالح، والفاسد على الجيد، والكذب على الحقيقة.

وهكذا يكون العمل الإبداعي كاشفاً فاضحاً.

وفي شرح دولوز يواصل، متفقاً مع أندريه مالرو، أن هنالك تقارباً جوهرياً بين العمل الفني الإبداعي وفعل المقاومة، ويؤكد أن العمل الفني ليست من مهامه مد جسور المعرفة، لأنها مسؤولية العلم، وما على الفن سوى المقاومة.

وهذه الأخيرة هي التي مكّنت العملية الإبداعية للإنسان من حماية ذاكرة الكون وعاطفته من التلاشي.

ومكنتنا اليوم من معرفة وجود أم بكت منذ قرون لأنها فهمت أن موت ابنها أبدي، وأنه ليس ثمة طريق عودة منه.

وحينما يقدم لنا العالم يد المساعدة للتخفيف من حمولة البحث لإنجاز عمل إبداعي، كالذكاء الاصطناعي، فإنه علينا التفكير ملياً: هل هي يد مساعدة فعلاً؟ وعلى أي أساس تصبح فكرة ما إبداعية؟في تصريح اعتبره البعض شجاعاً، لكنه صادم في الوقت نفسه، قالت الحاصلة على جائزة نوبل للآداب، البولندية أولغا توكارتشوك، إنها تستعين بالذكاء الاصطناعي أثناء تحضيرها لعمليتها الإبداعية.

وأن تستعين به لتؤلف، وأن تؤلف مستعينة بالذكاء الاصطناعي، شيئان مختلفان تماماً.

فالمساعدة السريعة في الوصول إلى المعلومة ليست نفسها المساعدة على صناعة مادة إبداعية.

نعم، هنالك فرق، لكن حدوث الأولى لا يمنع من التورط في الثانية، وهي أخطر بكثير من حيث خسارة الماهية، وخسارة الذاتية، وخسارة المعنى.

إذ يعطل فيها المبدع وجوده، وينتمي إلى وجود آخر تحكمه قواعد البيانات البشرية، التي يجري فيها تصفير العقول ومسح نظام التحكم لإعادة ضبط الوعي البشري والسيطرة عليه مركزياً.

قالت الحاصلة على جائزة نوبل للآداب إنها تستعين بالذكاء الاصطناعي أثناء تحضيرها لعمليتها الإبداعية.

وأن تستعين به لتؤلف، وأن تؤلف مستعينة بالذكاء الاصطناعي، شيئان مختلفانوبذلك يفقد الإنسان قدرة التحليل، كما فقد قدرة الحساب بعد اكتشاف الآلة الحاسبة.

فأصبح لدينا جيل ضعيف في أبجديات الحساب، وسيصبح لدينا جيل ضعيف في أبجديات الإبداع أيضاً، إذ تُنتج نصوص بلا سيرة ذاتية، وتولد قصص بلا معاناة، وبلا تاريخ، وبلا ضرورة داخلية.

عالم يستطيع محاكاة الأسلوب، لكنه لا يستطيع استيعاب المعنى.

يمكننا أن نفهم قاعدة بسيطة في العملية الإبداعية، وكيف لفكرة ما أن تصبح إبداعية دوناً عن غيرها، من خلال فهمنا لتفكيك" الإبداع"، ومعرفتنا لتعريف الأشياء دون أن نؤذي حقيقتها.

فالإصرار على الذهاب إلى طبيعة الأفكار في الوجود وتحليلها تحليلاً إبداعياً كما هي في الطبيعة يورثها انتماءها إلى الكون.

وهذا الانتماء أوجد لها مكانة ضرورية وسط الخلق.

فبالرغم من أن" الإبداع" الإنساني ينتمي إلى الإنسان، إلا أنه تجاوزه بأن أصبح مثله تماماً في سلسلة الوجود.

لقد انتمت الأفكار الإبداعية إلى الكون وكأنها خُلقت معه، فلا تختلف ضرورة وجود فكرة إبداعية عن ضرورة تفتح زهرة، أو تدفق الأمواج على الشاطئ، أو هطول المطر، أو شروق الشمس.

لقد انتقل فعل" الإبداع" إلى الخلود، ومن ثم إلى اللامتناهي.

ولا يمكننا، مع عالم يغرق في السرعة، ألّا نكتشف العملية الإبداعية المصطنعة لشيء بسيط يعتمد عليه الإبداع: " النفس الطويل"، و" التمهل".

ويفسر سيغموند فرويد العملية الإبداعية على أنها تفريغ للدوافع والغرائز والعواطف المكبوتة في اللاوعي، إذ يحول الفنان رغباته المحظورة إلى إنتاج فني أو فكري مقبول ومثمن اجتماعياً.

وخلو" التفكير عن طريق الذكاء الاصطناعي" من تاريخ نشأة الكبت في طبقاته الآلية المبرمجة، ومن الحكاية الوجودية للنفس البشرية، ثم تحرّره من ضرورة ممارسة الحيل الدفاعية، يقتل فكرة ولادة" الجمال".

وموت الجمال هو نوع من موت" الإبداع"، وموت الإبداع هو موت لذلك الارتباط الذي ربطه به هنري برغسون بديمومة الحياة والحدس.

فأن تملك ذاتية حكاية يعني امتلاك قبضة من الكون.

وعندما نتحدث عن مادة إبداعية اصطناعية فإننا نتحدث عن منهجية" تركيب العواطف".

فالقليل من عاطفة حكاية هنا، وعاطفة حكاية هناك، يحول أي نص إبداعي إلى سلعة تخرج من المصنع بدل دور النشر.

فرانكشتاين ليس في بغداد الآن، بل في الخياطة الآلية لجسد بنته عملية تركيب العواطف من حكايات متفرقة جرى الحصول عليها عن طريق الجمع السريع للبيانات، إذ يتم إضعاف التعاطف لاختفاء الحس الإنساني فيها.

فذلك الغراء البشري الذي كان يبرع فيه المبدع أثناء لصق أفكاره لم يعد لزجاً بما يكفي ليحافظ على طراوة الانتقال من مستوى عاطفي إلى آخر مهما مرت عليه القراءات، بل صار مع الذكاء الاصطناعي أقل رطوبة، وفقد ليونته المألوفة، ودخل مرحلة أخرى من الليونة يفرضها علينا الصراع الدائر في العالم من أجل تسهيل الحياة.

ولا نعلم هل هو فعل لتسهيل الحياة أم لمضاعفة خرابها.

إن الفكرة الإبداعية الاصطناعية، في شكلها العام، جميلة وملفتة، وبالكاد يمكن أن ننفي عنها براعتها، لكنها تخلو من لطف طفيف، ذلك الذي يترك في داخلك ارتجاف الكون بأسره، فيمنعك من أن تفرغ من داخلك، ويمنعك من التحول إلى زومبي.

وتورط الإنسان المدرك لخطورة إدخال الذكاء الاصطناعي ضمن عمليته الإبداعية لن يقتصر على المبدع الأصيل الذي يفهم تماماً أين تكمن خطورة هذه اليد المساعدة، التي تحمل في مساعدتها فكرة تخريب الفكرة الجمالية، بل سيفتح الباب لحشود لا تدرك تاريخ الوجود لإفساد" الإبداع" ككل.

إذ لا حدود توقف هؤلاء العجولين عن إنتاج فنونهم سريعة الذوبان أثناء تعاملهم الإبداعي مع الذكاء الاصطناعي، سواء باعتمادهم هذه التقنيات مصدراً للمعلومات أو للتدقيق والتوثيق وبعض العمليات التحريرية، كالتصحيح اللغوي أو البحث عن مترادفات لغوية.

بل سينتقلون بسلاسة إلى مرحلة أخطر، دون الشعور بأي ذنب أمام انتهاكهم لماهية الإنسان: " التفكير".

فيقدمون على التفكير والعمل مع الذكاء الاصطناعي، وبناء المشروع الإبداعي بالتعاون معه، فيتحول إلى شريك تقني مع المبدع لإنتاج الإبداع، بما يفقده شجاعة مقاتلته في تحرير المعنى عبر تشكيل الانفعالات والأحاسيس لكشف حقيقة الأشياء، ويجعل الفنان من اللامرئي والماورائي فناً تشكيلياً مرئياً، وهو ما وصفه دولوز في كتابه" ما الفلسفة؟ " بأنه" المرور عبر اللامتناهي لاستعادته".

رغم أن معظم مخرجات الذكاء الاصطناعي تبقى إعادة توظيف لما أنتجه الإنسان من أفكار ومعارف، فإنها تشكل تهديداً بوفرتها الخطيرة على ديناميكية" التفكير"هل دخلنا فعلاً عصر الإنسان الأبله؟في محاورة" فايدروس" لتلميذه أفلاطون ورد انتقاد سقراط للكتابة بحجة أنها تضعف الذاكرة وتجعل الإنسان يعتمد على الرموز الخارجية بدلاً من الاستذكار الداخلي والفهم العميق.

فهي مجرد أداة لديه، وليست مصدراً للمعرفة، ويمكنها أن تقدم مظهر الحكمة لا الحكمة الحقيقية، وبذلك تمنع الإنسان من ممارسة ذاكرته.

لقد اعتقد سقراط أن الإنسان الذي يعتمد على الحروف سيتوقف عن تمرين ذاكرته.

ويخيل إلي وجوده اليوم في عالم يعيد صناعة الإنسان عن طريق تجويعه للتفكير، لا بحرمانه منه، بل باختراع وسائل تفكير صناعية تحيل عقله إلى التقاعد.

وفرة الأفكار الصناعية تشبه وفرة علب الطماطم الجاهزة التي أنستنا من أين أتت، وأنستنا أنها قادمة من الحقول لا من المصانع.

لقد أخطأ سقراط في خوفه من الكتابة وتمجيده للحوار، كما أخطأ المتشائمون من بعده الذين حذرونا من الراديو والآلات الحاسبة والتلفاز، وحتى محركات البحث.

لم يجعلنا غوغل أغبياء، كما يُقال، ويفترض اليوم المدافعون عن الذكاء الاصطناعي داخل العملية الإبداعية أنه هو الآخر لن يجعلنا أغبياء.

غير أن هذا الافتراض ليس إلا شكلاً من أشكال العزاء الزائف.

فالاعتقاد بأن التاريخ يعيد نفسه دائماً يحجب عنا إدراك أن الأمر مختلف تماماً هذه المرة.

فكلما تقدم الذكاء الاصطناعي فقد الإنسان مهاراته التي يستخدمها، وذلك بالسماح له بأن يقوم بها نيابة عنه.

إنه ليس مجرد آلة حاسبة أو محرك بحث يمكن أن تنجو منه، بل آلة تفكير قادرة على فعل أي شيء نطلبه منها.

وهذا الاعتماد المستمر على مصادر خارجية في عملية التفكير سيغير الأدمغة والمجتمع نحو الأسوأ.

ورغم أن معظم مخرجات الذكاء الاصطناعي تبقى إعادة توظيف لما أنتجه الإنسان من أفكار ومعارف، فإنها تشكل تهديداً بوفرتها الخطيرة على ديناميكية" التفكير"، إذ يسود الركود العام، أو شبه التوقف، للعملية الإبداعية.

ولا يعود ثمة حل أمام الإنسان الغارق داخل سهولة التصنيع هذه سوى التخلي عن مقدراته والقفز داخل القدرات المذهلة للذكاء الاصطناعي، معلناً ولادة" الإنسان الأبله" وموت الإبداع.

وسيكون قضاء أمين معلوف عاماً كاملاً في المكتبة العامة لجمع المادة والوقائع التي سيبني عليها روايته عبثاً، وستنتهي ذاتية مكسيم غوركي، التي صنع بها واحدة من المشاهد الأدبية الخالدة في عمله" طفولتي"، إلى خسارة للمعنى.

فبعد أكثر من عشرين سنة من قراءة" طفولتي"، ما زلنا حتى هذه اللحظة نتذكر أسى الطفل، ليس على أبيه وهو يدفن في يوم ماطر، بل على الضفدع الحي الذي كان ينط داخل القبر، ويحاول حفار القبور دفنه حياً إلى جانب جثة الأب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك