قناة الشرق للأخبار - مهرجان كان.. قراءة لـ 7 من أفضل أفلام المسابقة قناة الجزيرة مباشر - A memorandum of understanding between the US and Iran paves the way for a second round of negotia... وكالة سبوتنيك - ترامب: إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي نهائيا العربي الجديد - الجزائر... أزمة الشحن العالمية تُفرمل استيراد السيارات وكالة شينخوا الصينية - (وسائط متعددة) بذور دوار الشمس من شمالي الصين تفوح عبيرا في دبي وكالة شينخوا الصينية - الصين توسع نطاق وصول الكاجو الأفريقي لأسواقها قناة التليفزيون العربي - لبنان ضمن بنود الاتفاق بين واشنطن وطهران.. ترحيب واسع في بيروت، أوروبا تتفاعل وإسرائيل ترفض الانسحاب الجزيرة نت - السودان.. توثيق عشرات آلاف حالات القتل والاغتصاب والاختفاء القسري وكالة شينخوا الصينية - سوق النقد الأجنبي في الصين تحافظ على الاستقرار خلال مايو سيلفي سبورت - مصر 1-1 بلجيكا | السعودي 1-1 أوروغواي
عامة

إني صدى صوتك يا أبي

العربي الجديد
العربي الجديد منذ ساعتين

ينغمس المرء في هموم حياته اليومية وتلك التفاصيل والمهام، فتنساب الأيام من أعمارنا كما ينساب الماء من كفّي أحدنا. ومهما حاولنا أن نحتفظ بالماء، فلا شك أنه سيتسرّب قليلاً أو كثيراً. تبقى الذكريات والمحط...

ينغمس المرء في هموم حياته اليومية وتلك التفاصيل والمهام، فتنساب الأيام من أعمارنا كما ينساب الماء من كفّي أحدنا.

ومهما حاولنا أن نحتفظ بالماء، فلا شك أنه سيتسرّب قليلاً أو كثيراً.

تبقى الذكريات والمحطات التي تمر بنا، كما يبقى أثر البرودة جراء الماء المنساب، ولكن الحياة التي تعيشها بكامل حواسك متفرغاً تختلف عن تلك ذات الإيقاع السريع المتلاحق، حتى خُيّل في السنوات الماضية أن هذه الأعوام تمرّ ولا تكاد تترك أي أثر، حتى أثر هذه الذكريات لم يعد يستقر كثيراً في الذاكرة، وكأن ما نعيشه ليس إلّا سراباً عابراً في صحراء قاحلة، يظهر هنيهة ثم يضمحل.

وقد جئت إلى حديث الذاكرة والذكرى على إثر موقف حصل معي منذ أشهر عدة، واستشعرت شيئاً غريباً.

ففي لجة العمل حينها، غبت عن الأولاد نحو يومين أو ثلاثة متتابعين، إلى جانب أيام كثيرة كنت أراهم فيها صباحاً لدقائق قليلة.

وفي حمأة الضغط والانشغال، أرسلت إليهم حينها رسالة صوتية أطمئن عليهم، ولي عادة، وربما هي عند بعضكم، أن أستمع إلى التسجيل بعد إرساله.

وبعد عدة ثوانٍ من الاستماع، أحسست للوهلة الأولى أنني أسمع صوت أبي بدلاً من صوتي، وكأنني هو، وكأن دعواتي التي أقولها لأبنائي قبس من دعواته لي ولهم.

وقد أعدت تشغيله حينها مرة ثانية، إنه صوته والله.

ولكنه بلساني ومن فمي، ومن هاتفي وليس من هاتفه.

كيف أستمع إلى صدى صوت أبي في صوتي، وبيني وبينه آلاف الأميال وقفار وبلاد وبحار؟ لم أتمالك نفسي حينها، وفي لجة الاشتغال تنحيت ركناً قصياً، تساقط فيه الدمع جنياً.

إني صدى صوتك يا أبي.

نعود لنشبه آباءنا، شئنا أم أبينا، وسنكون صورة مصغرة منهم؛ من صوتهم وكلامهم، ومن طريقة مشيتهم، ومن الشيب الذي استولى على هاماتنا، ومن همومنا التي كانت صغيرة جداً، وما فتئت تكبر وتكبر حتى قاربت همومهم، ولكنها لن تبلغ مبلغها.

وكيف نطاول قلباً قد احتوى تلك السنوات الطويلة، بالرخاء والشدة، وبالحرب والسلام، وبما عاشه من أحداث جليلة وهموم عظيمة؟ وكأن دورة الحياة تدور من جديد، فيصبح الابن أباً، والأب ابناً.

إنها سيرورة متصلة من الود والعطاء، وفصول متتالية في هذه الحياة.

كأن دورة الحياة تدور من جديد، فيصبح الابن أباً، والأب ابناً.

إنها سيرورة متصلة من الود والعطاء، وفصول متتالية في هذه الحياةكلما كبر المرء فهم بشكل أفضل موقع الأب وهواجسه وأفكاره، واستشعر عظمة هذه الكلمة.

ولا ريب أن دخول الواحد منا مربع الآباء يجعله يعي أكثر ما تفرضه من مهمات على الوالدين، ويدرك ما كان لا يدركه في صباه الأول من طبيعة حب الأب؛ ذلك الحب الذي يتجلى غالباً في أفعال صامتة وتضحيات خفية، على عكس عاطفة الأم الظاهرة والجلية.

وهذا ربما ما يفسر تأخر فهمنا لعمق مشاعر الآباء حتى نصبح نحن آباءً.

فلا يصبح المنع عقاباً، ولا الحدود حرماناً، بل مسؤولية وتربية، ولا يعني العطاء" الدلال" أو قلة التربية، بل هو الحب والعطاء.

ويتحول كل ما كنا نراه فتياناً تحكماً بتصرفاتنا إلى جزء من سيرورة التربية مع أبنائنا.

وفي قصيدة جميلة للشاعر أحمد بخيت، يقول فيها: " إنا قصائدك الجميلة يا أبي *** الله أبدعنا وأنت رويتنا".

وتؤكد الأيام أننا جزء من آبائنا، وكثيراً ما أسأل: كيف شعورك وولدك يشبهك هكذا؟ كيف تشعر وأنت تنظر إلى نفسك بعمر آخر؟ وكأنك ترى نفسك في شخص مختلف؟ وإني أُسرّ عندما يقولون إنك تشبه والدك، وبأن فيك كذا من الشبه من والدك، وكذا من الأوصاف من والديك.

ولعمري، هذا ما قصده الأديب الكبير الزيات بأن هذه الحالة وما يرافق الأبوة من مشاعر شفافة هي: " وذلك كله انعكاس حياة على حياة، وتدفق روح في روح، وتأثير ولد في والد".

وإني أحب أن أقرن اسمي دائماً باسم والدي، أطال الله في عمره، وفي أي منصة يمكنني فيها النشر باسمي الثلاثي لا أتوانى عن ذلك.

علي حسن إبراهيم، وهو حسن علي إبراهيم، وكم كنت أستلطف هذه الثنائية اللطيفة بين اسمي واسمه، وما زلت.

فإنني بضعة منه، وقصيدة من قصائده، وما فينا من نعمة كانت جراء تعب أرهقه، وسنوات قضاها في الكد لأجل أسرته.

وأستحضر الآن يديه اللتين تحملان أصدق آيات التعب، ودفء نظرة عينيه التي كانت تمنحنا الأمان، ووقار مشيته التي علمتنا الاستقامة؛ فسلام الله على كل قطرة عرق في جبينك يا أبي.

تؤكد الأيام أننا جزء من آبائنا، وكثيراً ما أسأل: كيف شعورك وولدك يشبهك هكذا؟ كيف تشعر وأنت تنظر إلى نفسك بعمر آخر؟لا أعرف لماذا أكثر من استحضار الاقتباسات الشعرية في هذه التدوينة، ربما لأنها سجلنا الأعظم معاشر العرب، وربما لأن في هذه الأبيات تكثيفاً للمشاعر لا يمكن أن يتكثف في النثر، أو ربما لأن إيرادها جزء من هذا البوح الجبلي الذي أسطره حباً بوالدي، وإيراداً لبعض مكارمه.

ألم يقل الشاعر: " لا شيء يعدل في هذا الوجود أباً".

فوالدي كان له من اسمه نصيب، ولم أرَ رجلاً في حياتي أشد التزاماً بالصدق، وكرهاً للكذب والتلاعب منه، أمدّ الله في عمره.

وقد كان، حفظه الله، عصامياً، لم يكن لأحد عليه يد في تأسيس أسرته وعمله وكفاحه، بل كانت له على أناس كثيرين أفضال لا تخفى، مع نكران الكثيرين لها، ولكنه ما عبأ بها، ولم يُطعمنا، لله دره، إلا من الحلال، وبذل في سبيل ذلك ما بذل.

وقد لمست هذه البركة في حياتي وأسرتي، بركة نرثها منه ونورثها لأبنائنا بعون الله تعالى.

وأعود إلى الشعر مرة أخرى، ولكن مع هذا البيت الأخاذ للشاعر عمر بهاء الدين الأميري، رحمه الله، في قصيدته" أب".

وكم مررت عليها إبان الصبا، وما كانت تثير في نفسي حينها إلا إعجاباً بجمال اللغة وأنساً بالقصيد، ولم ألتفت يوماً إلى ما تحمله من شجن خاص، وإلى ما تحتويه من كوامن نفس الوالد.

ولكنني اليوم، كلما قرأتها، لا أمر على أبياتها إلا بدموع سحاحة وقلب أسير، أقلّب معانيها ورقة التحنان فيها.

وتطوف بخيالي صورتان: صورة أبي، وحال البيت بعد أن كبرنا وتفرقنا في دروب الحياة؛ وصورة أبنائي، وما حمله قلبي من حب لهم، وتعلق بوالديّ بسببهم.

وكأن الولد يزرع في والده حباً جديداً لوالديه، وهي مشاعر تتعاظم بلا ريب مع بُعد الديار، وتباعد المسافات يضرم هذه المشاعر أكثر.

وأختم هذه الشذرات متأملاً في تلك السيرورة العظيمة التي جعلت مني أباً، وجعلتك يا أبي تعيش في تفاصيلي.

ولم يعد عجيباً إذن أن أجدك في نبرة صوتي، وأن ألمح طيفك في كل دعوة أبثها لأبنائي، وكأنها لقيا عمرها بضع عشرات من السنوات، ألتقي فيها بك يا أبي في صدى صوتي وصوتك، ولأستمد منك العزم والمواساة كلما أثقلتني مسافات الغربة.

وسأبقى أستمع إليك وأنت تنطق بلساني، مقراً بفضلك، وعاجزاً عن إيفائك حقك، ومردداً بلسان المحب الذي يدرك عظم موقع الأب وموقع الأبوة بلسان الشاعر:لم يَحنِ ظهرَ أبي ما كانَ يَحمِلُهُلكنْ ليحملني منْ أجليَ انحدبا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك