لا يكفي امتلاك وظيفة أو مصدر دخل ثابت لضمان استئجار منزل مناسب في مدينة إدلب، إذ تحولت أزمة الإيجارات إلى واحدة من أبرز التحديات المعيشية التي تواجه شريحة واسعة من السكان، ولا سيما أبناء الطبقة المتوسطة من الموظفين والمعلمين والصحفيين والعاملين في مختلف القطاعات.
وبين ارتفاع الطلب على المساكن ومحدودية المعروض وارتفاع تكاليف البناء، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى تقديم تنازلات كبيرة في مواصفات السكن أو الانتقال إلى مناطق أبعد، في حين اضطر آخرون إلى العودة إلى مساكن قريبة من المخيمات بحثاً عن خيارات سكنية أقل كلفة، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المدينة.
ضغط الإيجارات يهدد الاستقرارتفرض تكاليف السكن المرتفعة على كثير من العائلات في إدلب قرارات صعبة تتجاوز قيمة الإيجار الشهري، لتطول مكان الإقامة وخطط الأسرة ومستوى الاستقرار الذي نجحت في بنائه خلال السنوات الماضية.
وتقول ياسمين الأحمد، وهي معلمة من مهجري ريف إدلب الجنوبي، لموقع تلفزيون سوريا، إن الإيجارات أصبحت عبئاً ثقيلاً على الأسر، موضحة أنها وزوجها يواجهان صعوبة متزايدة في الاستمرار بتأمين أجرة المنزل، في وقت لا يزال منزلهما الأصلي مدمراً وغير صالح للسكن.
ويعكس ذلك جانباً من الضغوط التي تواجه شريحة واسعة من السكان، إذ يرى يوسف السعيد أن أسعار الإيجارات تجاوزت قدرة كثير من الأسر على التحمل، مشيراً إلى أن الظروف الحالية دفعت عدداً متزايداً من العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية لمواكبة تكاليف السكن.
ولا تقف التداعيات عند حدود الأسر فقط، إذ أكد عدد من طلاب الجامعات المقيمين في المدينة أنهم باتوا يعتمدون على السكن الجماعي وتقاسم تكاليف الإيجار والخدمات، حيث يقطن في بعض المنازل أكثر من سبعة طلاب بهدف تخفيف الأعباء المالية وضمان الاستمرار في الدراسة.
في سوق يتزايد فيه الطلب على المساكن، بات العثور على منزل يلبي احتياجات المستأجرين ضمن حدود إمكاناتهم المادية مهمة معقدة، تدفع كثيرين إلى القبول بخيارات لم يكونوا ليفكروا بها في ظروف مختلفة.
وتصف الصحفية والمراسلة سلوى جبان، لموقع تلفزيون سوريا، تجربة البحث عن منزل للإيجار في مدينة إدلب بأنها كانت شاقة ومربكة، مشيرة إلى أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في البحث قبل العثور على منزل جديد، في وقت كانت تستعد فيه لإخلاء منزلها السابق من دون أن تضمن وجود بديل مناسب.
وتقول إن متوسط إيجار منزل بإكساء متواضع يصل إلى نحو 300 دولار شهرياً، يضاف إليه مبلغ التأمين وعمولة المكتب العقاري، ما يجعل كلفة الانتقال إلى منزل جديد أعلى بكثير من قيمة الإيجار المعلنة.
وتضيف أن كثيراً من المنازل المتاحة بأسعار أقل تقع في أحياء شعبية أو تحتاج إلى أعمال صيانة وتأهيل تشمل الأبواب والنوافذ وشبكات الصرف الصحي، الأمر الذي يضع المستأجر أمام خيارات محدودة بين القبول بالواقع أو مواصلة البحث.
وفي نهاية المطاف اضطرت جبان إلى التخلي عن بعض الشروط التي كانت تبحث عنها، من بينها السكن في طابق منخفض يتناسب مع طبيعة عملها، وقبلت بمنزل يقع في طابق أعلى ويعاني من بعض المشكلات الخدمية، معتبرة أن مستوى المنزل لا يتناسب مع قيمة الإيجار المطلوبة.
وتنسجم هذه الشهادة مع ما يؤكده أصحاب المكاتب العقارية في المدينة، إذ أوضح مأمون قطيع، صاحب مكتب عقاري في إدلب، أن إيجارات المنازل غير المفروشة تتراوح غالباً بين 250 و500 دولار شهرياً، وقد تتجاوز ذلك بحسب الموقع والتجهيزات وعدد الغرف.
كما أشار مكتب عقارات" أمير" في إدلب إلى عرض شقة سكنية مؤلفة من ثلاث غرف ومنافع في حي الجامعة مقابل 250 دولاراً شهرياً، وهو سعر بات يُعد من الخيارات المقبولة نسبياً ضمن السوق الحالية، رغم أنه يشكل عبئاً كبيراً على شريحة واسعة من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
من شقق المدينة إلى مساكن المخيماتلم يعد الانتقال من المخيمات إلى المدن هو المسار الوحيد للسكان في شمال غربي سوريا، إذ دفعت تكاليف السكن المرتفعة بعض العائلات إلى اتخاذ مسار معاكس والبحث عن خيارات أقل كلفة، حتى وإن كانت على حساب مستوى الخدمات المتاحة.
ويقول الحاج محمود اليوسف، وهو من المهجرين الذين ما زالوا عاجزين عن العودة إلى منزلهم في معرة النعمان بسبب الدمار الواسع الذي لحق بالمدينة، إنه اضطر إلى مغادرة مدينة إدلب والبحث عن منزل في مناطق قريبة من المخيمات بعد أن أصبح من الصعب تحمل إيجارات الشقق داخل المدينة.
ويشير إلى أن هذا الخيار لم يكن مثالياً، خاصة مع تراجع مستوى الخدمات المتوفرة مقارنة بمدينة إدلب، من مدارس ومراكز صحية ومرافق خدمية، لكنه كان أقل كلفة وأكثر انسجاماً مع إمكانات الأسرة المادية.
ويرى الباحث الاقتصادي رضوان الدبس أن هذه الظاهرة باتت أكثر حضوراً خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن جزءاً من أبناء الطبقة المتوسطة اضطروا إلى التوجه نحو المساكن القريبة من المخيمات بعد انخفاض الطلب عليها مقارنة بالسنوات السابقة.
ويضيف أن إيجارات المنازل في مناطق المخيمات تتراوح غالباً بين 50 و100 دولار شهرياً، في حين يصعب العثور على منزل داخل إدلب أو الدانا أو سرمدا بأقل من 150 إلى 200 دولار، مع وجود منازل تتجاوز إيجاراتها أضعاف هذا الرقم.
ويحذر الدبس من أن استمرار هذا الواقع يترك آثاراً اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى، إذ يدفع بعض الأسر إلى تشغيل أبنائها للمساهمة في تغطية النفقات، ويزيد الضغوط على الطلاب والعائلات التي تحاول التوفيق بين تكاليف السكن وبقية الاحتياجات المعيشية.
مدينة تجذب السكان أكثر مما تبني المساكنلا يرتبط ارتفاع الإيجارات في إدلب بعامل واحد، بل بمجموعة من التحولات السكانية والاقتصادية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الماضية، وجعلت الطلب على السكن يتجاوز قدرة السوق على توفير وحدات جديدة تلبي الاحتياجات المتزايدة.
ويقول الباحث الاقتصادي رضوان الدبس، لموقع تلفزيون سوريا، إن إدلب شهدت خلال السنوات الأخيرة حالة من الاستقرار الأمني والخدمي مقارنة بمناطق أخرى، ما جعلها وجهة رئيسية للنازحين والمهجرين، إضافة إلى تحوّل المدن المحيطة بها مثل الدانا وسرمدا إلى مراكز جذب سكاني واقتصادي.
ويضيف أن توفر الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل وحركة التجارة عبر معبر باب الهوى أسهم في زيادة الكثافة السكانية والطلب على العقارات، الأمر الذي انعكس على أسعار البيع والإيجار معاً، رغم التوسع العمراني الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية.
وبحسب الدبس، حافظت إدلب خلال المرحلة التي أعقبت سقوط النظام المخلوع على قدر كبير من الاستقرار الخدمي، وهو ما شجع عائلات من مناطق أخرى، بينها مدينة حلب، على اختيار السكن في إدلب والدانا وسرمدا والاستمرار في التنقل اليومي إلى أعمالها، ما أبقى الطلب على المساكن مرتفعاً رغم عودة أعداد من المهجرين إلى مناطقهم الأصلية.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما يؤكده أصحاب المكاتب العقارية في المدينة، إذ يشير مأمون قطيع إلى أن ارتفاع الطلب وقلة المساكن الجاهزة للسكن من أبرز أسباب استمرار ارتفاع الإيجارات، لافتاً إلى أن بعض المستأجرين القادمين من خارج البلاد أو من مناطق أخرى يدفعون مبالغ أعلى أو يسددون إيجارات عدة أشهر دفعة واحدة لضمان الحصول على منزل مناسب.
من جهته، يرى مجلس مدينة إدلب أن الأزمة الحالية تعكس اختلالاً واضحاً بين العرض والطلب، في ظل محدودية عدد الوحدات السكنية المتاحة وارتفاع تكاليف البناء والإنشاء، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالقطاع السكني خلال السنوات الماضية، ما أبقى السوق تحت ضغط مستمر انعكس بصورة مباشرة على أسعار الإيجارات.
في ظل استمرار الضغوط على سوق السكن، تتجه الأنظار إلى الخطوات التي يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة، سواء من خلال زيادة المعروض من المساكن أو إعادة التوازن بين الأسعار ومستويات الدخل.
ويؤكد مجلس مدينة إدلب أن ملف الإيجارات يحظى بمتابعة مستمرة، مشيراً إلى العمل على تطوير قاعدة بيانات لرصد الواقع السكني وتحديد الفجوة بين العرض والطلب، إلى جانب إعداد دليل استرشادي لبدلات الإيجار وفق المناطق والمساحات السكنية، وتشجيع توثيق عقود الإيجار بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
كما يشير المجلس إلى أن من بين الإجراءات المطروحة دعم مشاريع السكن منخفض الكلفة، والتوسع العمراني المنظم، وإعادة تأهيل الأحياء المتضررة وتهيئة مناطق سكنية جديدة مزودة بالبنية التحتية اللازمة، بهدف زيادة المعروض من الوحدات السكنية خلال السنوات المقبلة.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي رضوان الدبس أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على رفع الرواتب وحده، موضحاً أن أي زيادة في الدخل ستظل محدودة الأثر ما لم تترافق مع حلول سكنية حقيقية توسع قاعدة المساكن المتاحة أمام السكان.
ويضيف أن العودة إلى مشاريع الجمعيات السكنية يمكن أن تشكل أحد المسارات المهمة للتخفيف من الأزمة، إلى جانب دعم إعادة الإعمار وتحسين الخدمات في المدن والبلدات التي عاد إليها السكان بعد سقوط النظام المخلوع، مثل معرة النعمان وخان شيخون ومناطق أخرى، بما يخفف الضغط السكاني عن إدلب والدانا وسرمدا ويعيد توزيع الطلب على السكن بصورة أكثر توازناً.
وفي حين تتفق الجهات الرسمية والخبراء على أن زيادة المعروض السكني تمثل مفتاح الحل، لا تزال آلاف العائلات في إدلب تواجه تحدي تأمين منزل يتناسب مع دخلها.
ومع اتساع الفجوة بين الرواتب والإيجارات، تواصل أزمة السكن إعادة رسم ملامح الطبقة المتوسطة في المدينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك