بينما تصدّرت باكستان المشهد خلال الأشهر القليلة الماضية بوصفها الوسيط الرئيسي في جهود الوساطة الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران وفي التوصل إلى اتفاق إطار بينهما، برزت قطر لاعباً دبلوماسياً مؤثراً عمل خلف الكواليس لدعم مسار المفاوضات وتهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى تفاهمات بين الطرفين، ستوقّع رسمياً، كما هو معلن، في سويسرا يوم الجمعة المقبل.
علماً أن وكالة فرانس برس أفادت أمس الاثنين، نقلاً عن دبلوماسي، بأن الدوحة ستستضيف هذا الأسبوع اجتماعات تحضيرية غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وخلال الأسابيع التي سبقت الإعلان عن الاتفاق، كثّفت الدوحة تحركاتها الدبلوماسية عبر سلسلة من الزيارات والاتصالات المباشرة مع المسؤولين الإيرانيين والأميركيين، مستفيدة من علاقاتها مع الجانبين ومن خبرتها الطويلة في إدارة ملفات الوساطة الإقليمية والدولية.
وجاء التحرك في سياق السياسة الخارجية القطرية التي تقوم على دعم الحوار والحلول السلمية للنزاعات، إذ نجحت الدوحة خلال السنوات الماضية في أداء أدوار مؤثرة في عدد من ملفات الوساطة الإقليمية والدولية، الأمر الذي عزز مكانتها طرفاً يحظى بثقة مختلف الأطراف.
زار رئيس مجلس الوزراء القطري واشنطن مرتين وبحث تداعيات الحرب وسبل الخروج منهاواللافت أن الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق إطار بين واشنطن وطهران، بعد الجهود التي بذلتها الدوحة لتذليل العقبات، رافقته حملة إعلامية ضد قطر، زعمت بأن القرارات التشغيلية المتعلقة بإنتاج الطاقة قد جرى اتخاذها أو تنفيذها، في أي وقت، بالتنسيق مع إيران أو بما يحقق مصالحها، أو بهدف التأثير على مسار الأحداث في المنطقة، وأن دولة قطر بالغت في تقدير حجم الأضرار التي لحقت بمنشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال أو اختلقتها ذريعة لإغلاقها، بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية عليها.
ورد مكتب الإعلام الدولي القطري في بيان أصدره الجمعة الماضي على هذه الادعاءات بأنها باطلة ولا أساس لها من الصحة على الإطلاق، وأن زيف هذه الادعاءات يتضح جلياً على نحو خاص، بالنظر إلى أن دولة قطر كانت في ذلك الوقت تتصدى لهجمات صاروخية إيرانية استهدفت أراضيها، فضلاً عن أن الادعاءات نفسها تستند إلى مواد زائفة وغير موثوقة، مصدرها جهات تسعى إلى تقويض الجهود الجارية للتوصل لإنهاء الصراع عبر الوساطة، والإضرار بسمعة دولة قطر، والتأثير سلباً على الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين دولة قطر والولايات المتحدة.
الدور القطري في الاتفاق الأميركي الإيرانيوفي الوقت الذي كانت فيه لغة الصواريخ والمسيّرات سائدة في المنطقة، نشطت الدبلوماسية القطرية في التواصل مع مختلف الأطراف، إذ شهدت طهران سلسلة زيارات لوفود قطرية رفيعة المستوى، كان آخرها قبل الإعلان عن التوصل لاتفاق بساعات قليلة.
وجاءت الزيارة الأولى في مايو/أيار الماضي، حيث أجرى مفاوضون قطريون، لم يكشف عن هويتهم رسمياً، مباحثات مكثفة مع مسؤولين إيرانيين حول القضايا العالقة التي كانت تعيق التوصل إلى تفاهم نهائي، بما في ذلك الملف النووي، والأموال الإيرانية المجمدة، والترتيبات الأمنية في المنطقة ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
أما الزيارتان الثانية والثالثة فجاءتا في يونيو/حزيران الحالي، مع دخول المفاوضات مرحلة حساسة، وركزت المشاورات على تضييق الفجوات المتبقية بين مواقف واشنطن وطهران، والعمل على توفير الضمانات السياسية اللازمة لإنجاح الاتفاق.
وتزامنت تلك التحركات مع اتصالات قطرية متواصلة مع الإدارة الأميركية والأطراف الإقليمية المعنية في المنطقة، إذ زار رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني واشنطن مرتين، أواخر مارس/آذار ومنتصف مايو/أيار الماضيين، التقى خلالهما نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وبحث معه تداعيات الحرب في المنطقة وشروط التوصل إلى اتفاق.
كما استقبلت الدوحة أواخر مايو الماضي وفداً إيرانياً رفيع المستوى ضم رئيس البرلمان كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، لإجراء محادثات بشأن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، حيث ناقش الجانبان مجموعة من الملفات المرتبطة بالأصول الإيرانية المجمدة وأمن الملاحة البحرية وفتح مضيق هرمز، وإجراءات بناء الثقة بين طهران وواشنطن.
حمد بن جاسم آل ثاني: الاتفاق الحالي هو ما أتيح التوصل إليه في ظل الظروف الراهنة عالمياً وإقليمياً، وهو بحاجة لعمل مستمر ودؤوب لوضع الأسس القوية لاتفاقيات دائمةويرى مراقبون خليجيون أن الدور القطري لم يكن قائماً على الوساطة المباشرة بقدر ما تمثّل في توفير قناة اتصال موثوقة بين الأطراف المختلفة، ونقل الرسائل والمقترحات، والمساعدة في تقريب وجهات النظر خلال المراحل الحاسمة من المفاوضات.
كما أسهمت الدوحة في خلق مناخ سياسي ودبلوماسي داعم للمبادرة الباكستانية، ما عزز فرص نجاحها في تحقيق اختراق ملموس في العلاقات بين واشنطن وطهران.
ومع إعلان التوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، يرى متابعون أن الدعم القطري للوساطة الباكستانية شكّل أحد العوامل المساعدة في تهيئة الأرضية السياسية والدبلوماسية للاتفاق، مؤكدين أن الدبلوماسية الهادئة التي انتهجتها الدوحة أسهمت في تقريب المسافات بين الجانبين ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي.
وتحدث رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني، في منشور على حسابه الرسمي في منصة" إكس"، عن الدور المهم الذي لعبته الدبلوماسية القطرية في حسم الخلافات، ما أدّى إلى التوصل للاتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
وقال: " كان للدبلوماسية القطرية دور مهم في حسم الخلافات، ما أدّى إلى التوصل للاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ولا بد لي هنا من الإشادة بالدور الدبلوماسي القطري النشط كعادته، بتوجيهات وحكمة سمو أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي عمل طيلة الأسابيع الماضية بعزم لا يكلّ، لتهدئة المواقف وإخماد النيران التي أشعلتها أطراف خارجية في منطقتنا بغير إرادة أهلها.
وأريد كذلك أن أشكر كلّاً من السعودية ومصر وتركيا على ما بذلته من جهود بناءة من أجل الاتفاق، وأن أنوه بما قامت به باكستان الشقيقة من جهود مثمرة كذلك".
وأضاف: " مع أن هذا الاتفاق وما سيتبعه من اتفاقات أخرى، إن تمت، ستخدم الاستقرار والأمن في المنطقة، فإننا سنجد أنفسنا أمام وضع إقليمي جديد، يملي علينا أن نعي بعمق أبعاده وعواقبه وما سينجم عنه من تحديات، وأن نثبت أننا تعلمنا واستخلصنا العبر مما شهدته المنطقة، وأن علينا أن نقوم بأعمال كبيرة ومدروسة تناسب الوضع الجديد".
كذلك حذّر مما وصفه" العمل بسياسة تمديد الهدن المؤقتة"، قائلاً: " لن يكون هو ما يحقق السلم والأمن في منطقتنا على المدى الطويل والمستدام، لكن الاتفاق الحالي هو ما أتيح التوصل إليه في ظل الظروف الراهنة عالمياً وإقليمياً، وهو بحاجة لعمل مستمر ودؤوب لوضع الأسس القوية لاتفاقيات دائمة".
وأضاف: " لا بد من التشديد على أن منطقتنا أمام مزيد من التحديات والاستحقاقات التي تستدعي الوعي التام والعمل الجاد والجماعي بين دولنا كلها، فما عاشته المنطقة من مواجهات ونيران حروب قد يتكرر للأسف، ولذلك لا بد من أن نكون مستعدين".
وقال المدير العام للمركز القطري للصحافة صادق العماري، في رده على سؤال لـ" العربي الجديد" عن الدور القطري في التوصل للتفاهمات بين واشنطن وطهران، إنه" حين تنغلق الأبواب تملك قطر مفاتيح الأقفال، وفي شؤون الوساطة يبرز الدور القطري جلياً، نظراً للخبرات الطويلة المتراكمة في الوساطة والقدرة الهائلة على تقريب وجهات النظر وتحقيق مصالح الجميع، إذ نجحت الدوحة في وضع بصمتها ونزعت فتيل الأزمة الراهنة وحققت اختراقاً مهماً بين أطراف صعبة مما يجعل المنطقة تنعم بالسلام والاستقرار مجدداً".
صادق العماري: الخبرة الطويلة لدولة قطر في فك عُقد الأزمات شكّلت دفعة قوية لإسلام أباد حتى تنجح في تحقيق أهدافها بوقف الحربوأضاف العماري: " لا أشك في أن الدور الباكستاني كان في غاية الأهمية، إلا أن الخبرة الطويلة لدولة قطر في فك عُقد الأزمات شكّلت دفعة قوية لإسلام أباد حتى تنجح في تحقيق أهدافها بوقف الحرب والوصول إلى اتفاق نهائي"، لافتاً إلى أن" قطر تملك سجلاً حافلاً في جمع المتصارعين والوصول بهم إلى بر الأمان، وعقيدتها في ذلك أن الحوار هو السبيل الوحيد للحل، وفي عالم مضطرب لا تستمع فيه الأطراف إلى صوت السلام، يأتي الدور القطري ليضع الجميع على طاولة الحوار".
وتابع: " لا شك في أننا سعداء بانتهاء هذه الحرب ووقف الأعمال العدائية تجاه لبنان، ولا بد من الإشادة بدور الحكومة الباكستانية والدور القطري والشكر كذلك لكل الأطراف الأخرى التي ساعدت في إنجاح هذا الاتفاق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك