إن طال السوريون أو قصروا، إن درسوا برمجة في الهند أو عملوا في تسويق العقارات في دبي، فأرومتهم وجذر الحياة في بلدهم ينطلقان من أشياء محدّدة: يزرعون الزيتون والقمح، يربون غنم العواس، يقطفون القطن وينسجونه.
هذه هي الحلقة الأولى من أسباب الحياة في هذا البلد، ولطالما كانت كذلك، منذ آلاف السنين.
ومنها تتوسّع دوائر العمل وسبل العيش.
فأكثر ما تفعله المصارف هو تسليم قيم المحاصيل، وموسم وكالات السيارات هو موسم حصاد القمح، والقابلات يقطعن الحبل السري لمواليد سيكبرون ليزرعوا القمح، وأطباء القلب يعالجون شرايين سدّتها إلْيَة الخراف، ومهند دعدوش يصدّر ملابس داخلية مصنوعة من قطن الحسكة، ومقاهي المرجة تبيع شاياً ثقيلاً حلواً لزبائن يحملون ما تبقى من ثمن الموسم الماضي، وهكذا.
حنطتنا بعل، وزيتوننا بعل، وأغنامنا تسرح وتأكل من بادية الحماد والدوّا والشولا والشنبل، لذلك حين ينحبس المطر تضيق النفوس والأعمال، وتاريخياً لم يحدث تغيير سياسي إلا بعد ثلاث سنوات من الجفاف: سنوات الوحدة مع مصر، وسنوات إبراهيم باشا، ونهايات الدولة العثمانية، وآخر دولة المماليك، ونهاية نظام الأسد.
حين علا النقاش الغاضب حول تسعير الدولة للقمح، وطالب الفلاحون بزيادة تناسب تكلفة الإنتاج، اقترح سوري مفرط في سوريّته أن تأتي هذه الزيادة من ميزانية وزارة الثقافة، على اعتبار القمح أهم مكونات الهوية الثقافية السورية، وهو حاضر في الأغاني والأمثال والعادات، وسنابله محفورة على تيجان الأعمدة في كل موقع أثري من شرق البلاد إلى غربها.
أو من ميزانية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لأن زراعة القمح شأن اجتماعي أولاً، ارتبط به نشوء المجتمعات البشرية منذ بداية العمران البشري، وهو عمل أيضاً، فاقترح آخر أن تموّل الزيادة لجنة السلم الأهلي، لأنه يدخل في صلب عملها، ويساعد على تحقيق أهدافها.
والاستمرار في زراعة القمح، يخفف من غضب الناس، ويمتص نقمتهم اتجاه أنفسهم والآخرين، واتجاه الدنيا.
وكاقتراح عملي لمعالجة موضوع مثل تسعير القمح، أو خطة زراعته، أو تغزير قطيع الغنم، أو معاومة الزيتون، أن تشكّل الحكومة لجنة ذات صلاحيات واسعة، تستبعد منها أعضاءها ومديريها الكبار والصغار، وكل من يعرف أي معلومة في الاقتصاد، وخبراء الأسواق والتجارة، ومن يعرف الجمع والطرح، وكل من حصل على أكثر من ست درجات في الحساب في الصف السابع.
وأن تقتصر اللجنة على بضعة شعراء، وأستاذ تاريخ، وأنثروبيولوجي، وأمهات لا يشغلهن سوى خبز أبنائهن غداً، ولا بأس من إداريين لتدوين الجلسة وصياغة التوصيات، بشرط أن ينقطعوا عن الطعام ليومين قبل الاجتماع.
بهذه" الخطة"، سنصل غالباً إلى قرارات استراتيجية صحيحة، وإلا فالخيارات التي أمامنا هي من نوع: ولكن سعر القمح عالمياً.
بلا بلا بلا.
الخريطة الزراعية لمنطقة بلا بلا بلا.
ليست الأوطان عقاراً واسعاً نبحث له عن أجزى استثمار، ونقيسه على جدول إكسل.
الأوطان تتشكل من بشر وذاكرة، والتفكير بمستقبلها، والتخطيط لها، يقف على قائمتين هما حياة الناس وذاكرة البلاد.
ليس عيباً ولا تخلّفاً أن نكون فلاحين، فالكنديون حطّابون، والهولنديون بحّارة وزرّاعو أزهار، السويسريون رعاة ماعز، الكويتيون صيادو لؤلؤ، والحجازيون حماة قوافل، الدمشقيون تجّار، والحلبيون حرفيون، وباقي السوريين فلاحون.
هكذا هي الأمور، وهكذا عليها أن تسير، وأنت حين تستلم قمحاً من فلاح، أنت لا تشتريه، أن توهبه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك