تشهد منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي تأثيرات موجة حرارية شديدة وطويلة الأمد، وتعود الأسباب العلمية وراء هذه الظاهرة إلى هيمنة أنظمة ضغط جوي مرتفع ومستمرة تعمل على تشكيل ما يُعرف بالقبة الحرارية، وتتميز هذه القبة بخلق غلاف جوي مستقر وهواء هابط يتسبب بشكل مباشر في تثبيط ومنع تكوين السحب أو هطول الأمطار، الأمر الذي يتيح للإشعاع الشمسي اختراق الغلاف الجوي وتسخين سطح الأرض بشكل مكثف للغاية.
موجة شديدة الحرارة تؤثر على الشرق الأوسطويسجل الشرق الأوسط قفزة في معدلات درجات الحرارة تبلغ ضعف المتوسط العالمي، وتشير التوقعات أنه في حال استمرار هذا المنحنى التصاعدي، فإن متوسط درجات الحرارة في بعض المناطق سينمو بمقدار أربع درجات مئوية كاملة بحلول عام 2050، وتُصنف المناطق التي تتسم بمعدلات رطوبة مرتفعة، وتحديدًا دول الخليج العربي مثل دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت، على أنها الأكثر عرضة للمخاطر والتهديدات؛ نظرًا لأن الرطوبة العالية تجعل جسم الإنسان يواجه صعوبات بالغة في تنظيم درجة حرارته الذاتية، مما يسرع من وتيرة الإصابة بالإجهاد الحراري، بحسب ما ذكر موقع «iqair».
ولا تقتصر أبعاد هذه الموجة الحارة الشديدة على ارتفاع الحرارة فحسب، بل تمتد أحيانًا لتتسبب في تدهور ملحوظ في جودة الهواء ومستويات النقاء في مختلف أنحاء المنطقة، حيث يؤدي صعود درجات الحرارة إلى تسريع العمليات الكيميائية لتشكل الأوزون على مستوى سطح الأرض، إلى جانب زيادة نسب الغبار العالق في الجو، وهو ما يسفر بدوره عن ارتفاع حاد في مستويات الجسيمات الدقيقة المستنشقة من فئتي PM2.
5 و PM10 داخل العديد من الحواضر والمدن.
ويرجع علماء المناخ والخبراء هذا المتغير المتسارع في ظاهرة الاحتباس الحراري، بشكل رئيسي وكبير، إلى تداعيات تغير المناخ الناتج عن الأنشطة والممارسات البشرية المختلفة، وتلقي هذه الموجة بظلالها على قائمة طويلة من المدن الكبرى والمناطق الحيوية المتضررة في الشرق الأوسط، حيث تشمل القائمة في جمهورية مصر العربية مدن أسوان والأقصر، وتتأثر في إيران مدن الأحواز وإيرانشهر وزابول، بينما يمتد التأثير في جمهورية العراق إلى مدن الحلة وبغداد والناصرية، وفي دولة الكويت يشمل الأبراق والجهراء، كما تضم القائمة مدن هيماء وإبراء وثمريت في سلطنة عمان، ومدن العامرية والغويرية والدوحة في دولة قطر، بالإضافة إلى مدن جدة ومليجة والرياض في المملكة العربية السعودية، ومدن العين والحميم والغياثي في دولة الإمارات العربية المتحدة.
أما فيما يتعلق بالمدى الزمني واستمرارية هذه الموجة الحارة التي تجتاح الشرق الأوسط، فقد كانت شرارتها الأولى في منتصف شهر مايو من عام 2026، ومن المرتقب علميًا وجغرافيًا أن تتواصل وتستمر طوال أشهر فصل الصيف كاملًا، وبخلاف الموجات الحرارية الاعتيادية القصيرة، فإن المنطقة تواجه درجات حرارة قياسية وفائقة الارتفاع بشكل دائم ومستمر طيلة فصل الصيف، حيث تستقر درجات الحرارة بثبات فوق مستوى 38 درجة مئوية، بل وتتخطى حاجز 49 درجة مئوية في كثير من الأحيان والمواقع.
وتقع مدن كبرى مثل الكويت، والدوحة، ودبي، والرياض، ومسقط تحت وطأة حرارة صيفية حارقة ومهلكة، وغالبًا ما تقترن هذه الحرارة بظاهرة احتباس الرطوبة خلال ساعات الليل أو تأثرها بالرطوبة الساحلية، حيث تكمن المعضلة الأساسية والتحدي الأكبر في طول الفترة الزمنية للحر الشديد وغياب الراحة الجسدية الليلية، وبناءً على القراءات المستقبلية، فإن هذه الموجات الحارة ستتكرر مستقبلاً بصورة أكثر انتظاماً وستدوم لمدد أطول، حيث بات على سكان منطقة الشرق الأوسط التكيف مع توقعات تشير إلى مواجهة نحو 200 يوم من الحر الشديد في العام الواحد، مع الإشارة إلى أن درجات الحرارة ستصل إلى ذروتها القصوى خلال شهري يوليو وأغسطس، قبل أن تبدأ بالانخفاض الطفيف والتراجع التدريجي بحلول أواخر شهر سبتمبر أو أوائل شهر أكتوبر.
الحرارة قد تصل لـ50 درجة مئويةونتيجة لخطورة هذه الظروف الجوية، جرى تفعيل وإصدار العديد من التحذيرات والإرشادات الرسمية بشأن موجة الحر في شتى أرجاء المنطقة؛ فقد بادرت منظمة الأرصاد الجوية الإيرانية بإطلاق تنبيه نادر من نوعه، شددت فيه على الأهمية القصوى والبالغة لضرورة ترشيد واستهلاك موارد الطاقة الكهربائية والمياه بكفاءة عالية لمواجهة هذا الارتفاع الضخم والواسع النطاق في درجات الحرارة.
كما أطلق مركز معلومات المناخ في مصر تحذيرات رسمية عاجلة تتعلق بموجة الحر الاستثنائية الحالية، لاسيما وأن التنبؤات والخرائط الجوية توضح ارتفاع درجات الحرارة بمستويات قياسية في العاصمة القاهرة ومناطق صعيد مصر ومحافظة الوادي الجديد.
وفي دولة الكويت، سجلت منطقة الجهراء رصدًا استثنائيًا تمثل في ثمانية أيام متتالية تجاوزت فيها درجات الحرارة العظمى في أوقات النهار حاجز 50 درجة مئوية، في حين تخطت درجات الحرارة الصغرى في الفترات الليلية مستوى 35 درجة مئوية في بعض الأحيان.
وبناءً على هذه المعطيات، تواصل إدارات الأرصاد الجوية الوطنية في دول الخليج العربي إصدار وتحديث التنبيهات الجوية بصفة مستمرة، موجهة نصائحها الصارمة للعامة بوجوب تجنب وتفادي ممارسة كافة الأنشطة الخارجية في الهواء الطلق خلال ساعات الذروة الحرارية، والتي تحددها عادةً ما بين الساعة 11 صباحًا وحتى الساعة 4 عصرًا، وتتضمن التوصيات الرسمية الصادرة عن السلطات ضرورة المكوث والبقاء داخل الأماكن والمساحات المكيفة، والامتناع التام عن تأدية الأعمال الشاقة والجهد البدني تحت أشعة الشمس في ساعات الظهيرة، مع الحرص على شرب كميات وافرة وسوائل كافية من المياه، والالتزام بالاطمئنان المستمر على الفئات المجتمعية الأكثر عرضة للمخاطر الصحية والضعف، والتي يشمل قوامها كبار السن والأفراد الذين يعانون من أمراض مزمنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك