تكمن أهمية الفيلم في أنه يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية؛ فبينما يستعرض رحلة سلوى حجازي المهنية والإنسانية، فإن السرد الوثائقي يتقاطع مع قصة أكبر وأعمق.
كيف تحولت رحلة مدنية عادية إلى واحدة من أكثر الحوادث الجوية إثارة للجدل في القرن العشرين؟ وكيف أصبحت إعلامية مصرية مثقفة رمزا لشهادة امتزجت فيها الثقافة بالوطنية وبالمأساة الإنسانية؟غير أن القيمة الحقيقية لفيلم" الرحلة 114" تكمن في انتقاله من الخاص إلى العام، ومن سيرة الفرد إلى قضية الأمة، فالحادثة التي وقعت في فبراير 1973 لم تكن حادثا عابرا، تشير الوقائع التاريخية إلى أن الطائرة المدنية الليبية، التي كانت متجهة من طرابلس إلى القاهرة، ضلت مسارها بسبب ظروف جوية وعاصفة رملية، لتدخل المجال الجوي فوق سيناء التي كانت خاضعة للاحتلال الإسرائيلي آنذاك، وبرغم كونها طائرة مدنية غير مسلحة، فقد تعرضت لاعتراض من مقاتلات إسرائيلية انتهى بإطلاق النار عليها وإسقاطها، ما أدى إلى سقوط معظم ركابها بين قتيل وجريح، ولم ينج سوى عدد محدود للغاية.
ومن هنا تبدأ الأسئلة التي يمنحها الفيلم مساحة واسعة للتأمل، هل كان إسقاط الطائرة ضرورة عسكرية كما ادعت إسرائيل آنذاك؟ أم أن ما جرى يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وقواعد الطيران المدني؟ ولماذا لم يحظ الملف بالمتابعة القانونية والسياسية التي تتناسب مع حجم الكارثة؟ هذه الأسئلة لا يقدم الفيلم إجابات نهائية عنها بقدر ما يدعو إلى إعادة طرحها أمام الرأي العام والأجيال الجديدة.
لقد اعتادت السينما الوثائقية العربية في كثير من الأحيان أن تتعامل مع الأحداث الكبرى بوصفها وقائع من الماضي، لكن" الرحلة 114" يطرح رؤية مختلفة، فهو يؤكد أن بعض الأحداث لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تمتد آثارها إلى الحاضر.
كما يحسب للفيلم اعتماده على مواد أرشيفية نادرة وشهادات حصرية، ما يمنحه بعدا توثيقيا مهما، ويعيد الاعتبار لدور الأرشيف الوطني في حفظ الذاكرة المصرية.
فالأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لفقدان قدرتها على قراءة حاضرها وصياغة مستقبلها، ومن هنا تبدو أهمية الدور الذي تضطلع به وثائقيات ماسبيرو في إعادة اكتشاف شخصيات وأحداث صنعت جزءا من التاريخ المصري الحديث.
وربما يكون أكثر ما يميز" الرحلة 114" أنه لا يقدم سلوى حجازي بوصفها ضحية فحسب، بل بوصفها رمزا لمرحلة كاملة من الرقي الثقافي والإعلامي المصري.
إنها عودة إلى زمن كانت فيه الشاشة المصرية مدرسة للثقافة والمعرفة، وكانت المذيعة تحمل رسالة لا تقل أهمية عن حضورها الإعلامي.
لا يشاهد المتلقي فيلم" الرحلة 114" باعتباره وثائقيا عن حادثة قديمة، بل باعتباره شهادة تاريخية على جريمة إنسانية، ورسالة وفاء لواحدة من أبرز أيقونات الإعلام المصري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك