أثارت مصادقة البرلمان الإيطالي على نشر 22 عنصرا أمنيا في تونس، ضمن مهمة دعم وتدريب، جدلا في الأوساط السياسية والحقوقية التونسية.
وصادق مجلس النواب الإيطالي، مطلع يونيو الجاري على قرار الحكومة نشر نحو 22 عنصرًا من الحرس المالي الإيطالي (أحد أجهزة إنفاذ القانون)، إلى جانب وسائل ومعدات برية مختلفة، في تونس.
ووفقًا للوثيقة الرسمية التي عرضت على البرلمان الإيطالي، فإن الهدف الرئيسي لهذه البعثة هو تقديم المساعدة، والدعم والتأهيل والتدريب لصالح الحرس البحري التونسي.
وتركز المهمة على تعزيز قدرات الجانب التونسي في إدارة ومراقبة الحدود البحرية ومكافحة الهجرة غير النظامية.
وتتعرض تونس لضغوط أوروبية متصاعدة لممارسة مزيد من الرقابة على شواطئها ومنع قوارب الهجرة غير النظامية من المغادرة.
وأعلنت المفوضية الأوروبية، في سبتمبر 2023، تخصيص 127 مليون يورو مساعدات لتونس، ضمن مذكرة تفاهم تتعلق بعدة ملفات، بينها الحد من حركة المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا.
ولا توجد تقديرات رسمية إجمالية لأعداد المهاجرين غير النظاميين في تونس، غير أن رئيس لجنة الهجرة غير النظامية بوزارة الداخلية خالد جراد، قال في يناير 2025، إن عدد هؤلاء المهاجرين في منطقتي العامرة وجبنيانة (شرق) يقدر بنحو 20 ألف مهاجر، دون أن يقدم أرقاما بشأن أعدادهم في بقية مناطق البلاد.
وفيما طالب مراقبون بمزيد من الشفافية إزاء الاتفاق بين تونس وإيطاليا، أبدوا رفضا لنشر قوات أجنبية في بلادهم، وسط صمت رسمي تونسي إزاء قرار البرلمان الإيطالي.
وقال النائب السابق في البرلمان التونسي والمقيم في إيطاليا مجدي الكرباعي: " يمكن تناول القرار الإيطالي ضمن سياق أوسع من إعادة تشكيل أدوات إدارة الحدود في الضفة الجنوبية للمتوسط".
وأضاف الكرباعي للأناضول أن" الأمر لم يعد يتعلق فقط بتعاون ثنائي تقني، بل بتمدد واضح لمنطق أمني أوروبي داخل الفضاء السيادي التونسي".
وتابع أنه" يجب التذكير أن أي وجود أمني أجنبي على التراب الوطني، حتى وإن تم في إطار اتفاقيات تعاون، يظل مسألة حساسة ترتبط بالسيادة وبمبدأ الرقابة الديمقراطية.
"ويرى أن" هذه الترتيبات تُبرم في شكل مذكرات تفاهم أو تعاون تنفيذي لا تخضع دائما لنقاش برلماني أو شفافية كافية أمام الرأي العام، وهو ما يخلق فراغا سياسيا ومؤسساتيا حول طبيعة هذه المهمات وحدودها الفعلية.
"وقال الكرباعي إن" تبرير هذه الخطوات عادةً يُقدَّم تحت عنوان مكافحة الهجرة غير النظامية أو مكافحة التهريب، لكن الواقع أن السياسات الأوروبية في المتوسط انتقلت من منطق التعاون إلى منطق إدارة الحدود من الخارج، أي نقل جزء من وظائف المراقبة والتدخل الأمني إلى دول العبور".
وأضاف أن هذا الأمر يجعلنا أمام نوع من ما أسماه" الأمننة الخارجية للحدود الأوروبية"، حيث" تتحول دول مثل تونس إلى فضاءات تنفيذ ميداني لسياسات الهجرة الأوروبية.
"وأوضح أن تلك الخطوة تعني أنه حتى مع تراجع بعض مؤشرات العبور في فترات معينة، " فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع المقاربة الأمنية، بل العكس تماما: يتم تعزيز الحضور الوقائي والاستباقي، بما في ذلك التدريب، والمراقبة، وتبادل المعلومات".
واعتبر أن" الهدف هو ضبط حركة الهجرة من مصدرها قبل أن تصل إلى البحر، وهذا يعكس تحولا هيكليا في السياسة الأوروبية وليس استجابة ظرفية للأرقام.
"من جهته، قال مصطفى عبد الكبير رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان (غير حكومي) إنه لابد من الإشارة إلى أن مذكرة التفاهم التونسية الإيطالية التي تم توقيعها في يوليو 2023، لم تنشر بالكامل للشعب التونسي.
وأضاف عبدالكبير، في حديث مع الأناضول، أن الاتفاقية تضم بنودا مثل العمل على مقاومة الهجرة غير النظامية وتقديم تدريب متقدم للبحرية التونسية على مستوى أمني وعسكري، معتبرا أنها" اتفاقية شراكة بين تونس وإيطاليا ومن وراء ذلك الاتحاد الأوروبي".
وتابع: " من بين البنود التي نتخوف منها مسألة استعمال الفضاء التونسي سواء كان جوا أو بحرا أو برا في مقاومة الهجرة غير النظامية، لأن ذلك سيُحدِث مشاكل نرفضها لأنها ترتبط بالسيادة.
"وقال: " ظهور القرار الإيطالي والمصادقة عليه من قبل البرلمان بدخول نظاميين إيطاليين والعمل المشترك في الأراضي التونسية أو المياه الإقليمية التونسية مع الأمن الوطني والحرس البحري، هو أمر لا نقبله".
وأضاف: " قد يكون هذا ورد في مذكرة التفاهم ونحن لا نقبله لأنه في نهاية الأمر لم نعد فقط حرس حدود بل هم سيحرسون حدودهم من حدودنا".
وأردف: " نرفض حراسة حدودهم انطلاقا من حدودنا.
نحن مع مقاومة الهجرة غير النظامية وضبط الأمن على مستوى البحر والتعاون المشترك في ما يفيد الهجرة غير النظامية بتحويلها إلى هجرة نظامية".
وختم حديثه بالقول إن" المرصد التونسي لحقوق الإنسان يرفض رفضا تاما تواجد أطراف أجنبية في مياهنا الإقليمية أو أراضينا التونسية مهما كان الأمر وأعتقد ان السلطات التونسية تدرك ذلك جيدا".
أما محمود بن مبروك الأمين العام لحزب المسار (موال للرئيس التونسي قيس سعيد) فنفى أن تكون تونس جزءا من القرار الإيطالي، قائلا: " هذا قرار لا علاقة لتونس به باعتبار أنها دولة لها سيادة وطنية وترفض أي تدخل أجنبي في مجالها".
وأضاف بن مبروك، في تصريحات للأناضول: " إذا صادق البرلمان الإيطالي على ذلك فهو إجراء لا يتجاوز المجال الإيطالي وهذا من حق إيطاليا في إطار حماية حدودها أما الحديث عن نشرها في تونس فهذا يتعارض مع السيادة الوطنية".
وتابع بن مبروك أن" تونس ترفض أي تدخل أو اعتداء على سيادتها والبرلمان الإيطالي لا يمكنه المصادقة على مسائل داخل التراب التونسي وهذا نرفضه وليس له بعد قانوني".
وفي خصوص خشية إيطاليا من تدفقات كبيرة لمهاجرين غير نظاميين، قال بن مبروك: " مخاوف إيطاليا من استمرار تدفق الأفارقة على المجال الأوروبي عادية ومن حقها حماية حدودها".
وأضاف بن مبروك أنه يمكن لدول شمال إفريقيا منها تونس والجزائر وليبيا" حماية حدودها بطريقة صارمة بحكم حجم التدفق الذي يحدث الآن".
وحول ما إذا كانت الاتفاقيات الموقعة بين تونس وإيطاليا في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية تسمح بالتعاون الأمني، قال بن مبروك: " مهما كانت الاتفاقات والعلاقات الدولية، فإن التدخل من قبل أي دولة مرفوض، وهناك اتفاقيات توجب أن يُصادق عليها من الدولتين".
وأضاف: " إذا تحدثنا عن مصادقة برلمان إيطاليا على قانون يهم تونس فيجب عرضه على البرلمان التونسي ووزارة الخارجية التونسية في إطار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين".
وتابع: " يجب أن ترسل إيطاليا المقترح إلى تونس، إذا صح أنها ستبعث أمنيين للمجال التونسي وهو ما لا تقبل به تونس، ويجب أن يخضع المقترح للموافقة التونسية المسبقة، لكن إقراره من جانب واحد مخالف لأي عرف دولي ولأي اتفاقيات تونسية ايطالية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك