حين ابتدأت تل أبيب وواشنطن حربها على طهران أثناء سير المفاوضات بين إيران وامريكا بوساطة عُمانية، لم يكن مضيق هرمز جزءاً من هذه الحرب ولا سببًا فيها، وحين بدأت الصواريخ الأمريكية الإسرائيلية تستهدف بحممها وشواظها مواقع إيرانية مدنية وعسكرية لا تفرق بين أحد منها، ولا تميز بين منصة إطلاق صواريخ وبين مدرسة أساس لطالبات يافعات خرجن من بيوت آبائهن ليتلقين العلم والدروس، فتلقين صواريخ توماهوك الأمريكية اخترقت شظاياها أجسادهن البريئة وغادرن الحياة الدنيا وكل واحدة منهن لا تدري بأي ذنب قُتلت.
نعم حين اندلعت الحرب لم يكن مضيق هرمز موضوعاََ في أي خانة في حسابات طهران وواشنطن وتل أبيب، كانت حسابات واشنطن وتل أبيب تقوم على سرعة تحقيق هدف تغيير النظام في إيران واستبداله بنظام بديل سلس القيادة، يرهن البلاد ومقدراتها بما فيها المنشآت النووية لتكون في أيديهم يفعلون بها ما يشاءون، وبالمقابل كانت حسابات طهران تقوم على صد العدوان عبر خطة دفاعية تستنفر لها كل موارد الدولة العسكرية والسياسية والاقتصادية والجيوسياسية التي تمتلكها ولها فيها ميزة نسبية، ومن هذا الباب أدخلت طهران مضيق هرمز في حساباتها وضمن خطتها الدفاعية كعنصر شديد الأهمية من عناصر الجغرافيا السياسية التي هي من أهم أدوات الدفاع في الحروب.
وبطبيعة الحال، لا يمكن تصور أن إيران قد اكتشفت وبالصدفة أهمية مضيق هرمز وفاعلية ونجاعة استخدامه كمتغير نوعي Qualitative variable يسد الفارق في القوة بينها وبين عدوها.
فلا مكان للصدفة في الحسابات الاستراتيجية فالجغرافيا هي مُعطَى ثابت لا يعاد اكتشافه وأساس تنبني عليه كل الخطط في حالتي السلم والحرب.
لذلك فقد جاء إغلاق المضيق في خضم الحرب في ضوء هذا الفهم وهذا الإدراك لعناصر القوة الثابتة منها والمتحركة، ولم يكن الإغلاق معزولاََ عن التوقيت ولا منفصلاََ عن حسابات الطرف الآخر، فالتوقيت كان دقيقاََ، ومفاجئاََ للطرف الأمريكي في ذات الوقت حيث بدا أن اللاعب الأمريكي لم يتحسب لهذه “النقلة” الذكية التي غيرت مسار الحرب وأربكت حسابات الجميع على المستويين الإقليمي والدولي وأصبح الجميع معنيون بالحرب وبإيقافها بسبب آثارها السيئة على الاقتصاد العالمي.
وتشكلت صورة ذهنية عالمية عن هذا الوضع الخانق مفادها أن هذه الأزمة ما كان لها أن تنشأ لولا أن واشنطن كانت قد نفضت يدها عن المفاوضات مع إيران بلا مبرر وجيه وجنحت للحرب على نحو مفاجئ، وأن المتسبب الرئيسي في الأزمة هي واشنطن رغم أن من أغلق المضيق هي طهران.
وربما لأول مر، ة يشعر الناس حول العالم بأهمية مضيق هرمز وتسلط عليه الأضواء بهذا القدر الكثيف، رغم مرور المنطقة بأزمات أكثر تعقيداََ في السابق، لكن لم يتم فيها استخدام المضيق بهذه الطريقة مما جعلها حالة استثنائية تعكس مدى “استثنائية” هذه الحرب وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي.
وجرى حديث كثير عن أهمية النأي بالمضيق عن الصراعات والنزاعات وضرورة أن يكون المرور عبره والملاحة فيه حرة لا تتأثر بالصراعات في محيطه، و طبعاً هذا حديث نظري محض مقارنة بما هو قائم على الأرض، ويصعب التقيد به حتى وإن استند إلى نصوص قانونية، فحجية القانون الدولي ينبغي ألا تتجزأ ولا أن تكون انتقائية وقابلة للتفصيل والحياكة بحسب المصالح الخاصة، وإنما هي قواعد عامة تسري على الجميع وعلى قدم المساواة، وهي قواعد تحرّم العدوان وتصون حق المعتدَى عليه في الدفاع عن نفسه، كما أن ميراث السياسة الدولية قديما وحديثا ذاخر بأمثلة استُخدمت فيها الجغرافيا كأداة دفاعية خاصة.
ولا يتصور عقل ومنطق وبراغماتية، أن تدور رحى الحرب فوق المضيق ومن أسفل منه وعن يمينه وعن شماله ويظل مفتوحاََ في وجه الملاحة تعبر من خلاله السفن بالطريقة الطبيعية المعتادة بلا مساس، فهذا ضرب من المبالغة والغلو في التمسك بحرفية النصوص القانونية وإلغاء الواقع الجغرافي والأمني والاقتصادي الماثل على الأرض بجرة قلم.
فمضيق هرمز أهم ممر مائي للطاقة في العالم، وهو بمثابة شريان الحياة الاقتصادية لاقتصادات الخليج بصفة خاصة، والعالم بصفة عامة، فيمر عبره نحو 20٪ من استهلاك العالم من النفط ومشتقاته، وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياََ، وهو يمثل عصب الاقتصاد الآسيوي، ونقطة عبور للسلع الإستراتيجية، فبالإضافة إلى النفط والغاز هناك سلع أخرى حيوية مثل الأسمدة الزراعية، والنافتا، و الهيليوم، وبالتالي فهو يتحكم في سلاسل الإمداد وهو نقطة التقاء لطرق التجارة الدولية.
وبناء على تلك المعطيات، فإن المطالبة بعودة المضيق لسيرته الأولى تلك التي كان عليها قبل الحرب هي مطالبة تقفز فوق كل المستجدات والعوامل الجديدة التي طرأت ولا تعبأ بالواقع الجديد الذي أفرزته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ليس على إيران ومضيق هرمز فحسب بل على كافة دول المنطقة.
إيران ترى في المضيق عنصر قوة لها لا يمكن التفريط فيه بأي حال من الأحوال وتقوم فكرتها في السيطرة عليه على معادلة تعتبرها طهران عادلة ومنصفة للجميع، فهي ترى أنها وسلطنة عمان المشاطئة للمضيق أحق من غيرهما بإدارة المضيق بسبب ما طرأ من أوضاع أمنية جديدة بسبب الحرب ولم تكن موجودة في السابق، وأن هذه الإدارة لا تتنافى مع أحقية دول العالم في الاستفادة من المضيق كممر مائي دولي المرور عبره متاح للجميع، ولا تنتقص من حق هذه الدول بالمرور الآمن والسلس الذي تكفله قواعد القانون الدولي بلا تعسف في استخدام حقها كدول مشاطئة يقع المضيق بالكامل ضمن مياهها الإقليمية.
هذه هي المعادلة المطروحة من إيران بحسب تصريحات شخصيات رفيعة في طاقم القيادة الإيرانية، وهي معادلة يجري التسويق لها بكثافة، ويظل نجاح إيران في فرضها رهناََ على قدرتها على إقناع محيطها الإقليمي بالفكرة ضمن حزمة مراجعات ضرورية لعلاقاتها مع دول الخليج، وخطة “إعادة ضبط” شاملة لسياستها الخارجية الحالية تجاه محيطها الإقليمي الخليجي بما يؤدي لاستعادة الوضع الطبيعي المفقود الذي يقوم على قيم حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول واحترام سيادتها والكف عن محاولات تصدير المفاهيم والتصورات والأيدولوجيات الخاصة بها إلى هذه الدول، وإعلاء قيم التعاون والعمل المشترك وتعزيز الروابط وأواصر وعُرَى الإخاء وتطوير علاقاتها بدول المنطقة وترقيتها إلى شراكة حقيقية مع هذه الدول وتوحيد معاني ومفاهيم الأمن الإقليمي ليصير الإقليم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك