" ثلاثة وأربعون عاماً من وعود لم تتحقق ومظالم واقتصاد متداع وقمع سياسي وفساد ممنهج وتحكم اجتماعي خانق ودمار بيئي ونفاق مستشر، كل ذلك يجري باسم حكم مقدس".
هكذا يوجز وضع إيران في مستهل كتاب صدر حديثاً بعنوان" الثورة المسروقة: الخيانة والأمل في إيران الحديثة"، للكاتبين الصحافيين بزرغمهر شرف الدين وهو الصحافي البريطاني- الإيراني المخضرم ويغانه تورباتي، وهي صحافية أميركية -إيرانية في" نيويورك تايمز".
وعلى رغم أن صدور الكتاب تزامن مع حرب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران فهو لا يتناولها مطلقاً، إنما يحكي تاريخ إيران منذ ثورة 1979 الإسلامية التي أطاحت بالشاه، وصولاً إلى عام 2025 عبر قصص ستة أشخاص يصفهم جوستين ماروزي (التايمز -10 يونيو/ حزيران 2026) على هذا النحو: " منظر ثوري وموظف حكومي طموح ورائد أعمال تكنولوجية وشابتان مميزتان كانتا في صدارة حركة (المرأة والحياة والحرية) وشاعرة شابة.
ويقوم الكتاب على محاورات مع أكثر من 130 شخصاً، وصور ومقاطع فيديو ووثائق قانونية ورسائل صوتية وتسجيلات وملفات طبية وعملية، فليس بغريب أن تأليفه استغرق خمسة أعوام.
في استعراضها للكتاب" ذي غارديان- 10 يونيو 2026"، كتبت دينا نايري أن من الصعب في عام 2026 التوصل إلى صورة واضحة لإيران في ظل تشرذم الإيرانيين في المهجر ومرارتهم، وإخراس النظام الإيراني الحاكم لأصوات الداخل الإيراني، إضافة إلى انتشار شبكة من المعلومات المضللة والأكاذيب التي تجعل صورة البلد مشوهة دائماً.
و" من هنا تصبح الحاجة ماسة إلى تاريخ الجمهورية الراسخ الذي يقدمه كل من بزرغمهر شرف الدين ويغانه تورباتي وما فيه من تصحيح، لأنه يمثل في آن واحد قصة مثيرة متوازنة ناجمة عن بحث دقيق في إيران الحديثة (وهو أوضح ما قرأته).
وهي قصة درامية وشخصية وكثيراً ما تكون مؤلمة، تحكيها حيوات عاشها أصحابها في صدارة كفاح الشعب الإيراني على مدى قرابة خمسة عقود في مواجهة نظام فاسد، سطا على حرياتهم وأصواتهم الانتخابية وسلب الآلاف الكثيرة أرواحهم.
خلاصة هذه القصة كما ترصدها دينا نايري، هي أن رجال الدين الإيرانيين نجحوا إبان ثورة 1979" في توحيد الكثير من الفصائل عبر وعدهم بالاستقلال عن النفوذ الغربي والرخاء الاقتصادي، (فقد أعلن المرشد الأول آية الله روح الله الخميني أنه ’لا يجب أن يبقى أحد بلا مسكن في هذا البلد‘ ووعد بضمان الكهرباء والماء بالمجان للفقراء).
ثم أقام الخميني وأتباعه بدلاً من الملكية دولة مافيا فرضت الفصل بين الجنسين، وفاقمت الظلم الاجتماعي، وقتلت الفنون، ودمرت مستويات المعيشة، وعزلت الإيرانيين عن الثقافة والاقتصاد العالميين.
وما كاد الخميني يصل إلى السلطة حتى تخلى عن وعوده الثورية.
فبعد سبعة أشهر لا أكثر قال إنه ‘ما لشخص حكيم أن يتخيل أننا ضحينا بدمائنا ليصبح البطيخ رخيصاً، أو بذلنا شبابنا ليصبح السكن ميسوراً.
لقد ضحى أولياؤنا من قبل بحياتهم من أجل الإسلام لا من أجل الاقتصاد‘.
حتى لقد قال أحد أتباعه السابقين إن الأمر بدا ’وكأني أرى أبي يتحول إلى معاقرة الخمر.
ولكنه خمر السلطة في هذه الحالة‘".
يكتب رضا أصلان (نيويورك تايمز- 2 يونيو 2026) أن المؤلفين" يتناولان أعوام الثورة الأولى من خلال حياة مشارك واحد هو رجل الدين مهدي كروبي"، وهو عالم إسلامي كان مقرباً من المرشد الأعلى الأول آية الله الخميني، فارتقى حتى ذرى السلطة إلى أن أفاق علناً على قسوة النظام ووحشيته وجهله الاقتصادي، فانتقل أيضاً بحسب إيجاز ماروزي البارع من دائرة السلطة العليا إلى الاعتقال المنزلي.
يكتب رضا أصلان أن في قصة مهدي كروبي" مشاهد لافتة من قبيل عبوره سراً إلى العراق لمقابلة الخميني المنفي عام 1966، واختبائه في بستان نخيل قريب من الحدود، قبل أن يصل أخيراً إلى البيت المتواضع الذي كان يقيم فيه الزعيم الديني في النجف وتقبيله يده وهو دامع العينين.
على مدى عقود ساعد كروبي في توزيع خطب الخميني في إيران.
وطاردته شرطة الشاه السرية واعتقلته مراراً، فقضى أغلب ستينيات القرن العشرين والسبعينيات ينام على أرضيات السجون وسط اليساريين المعارضين وزملائه من رجال الدين".
" ويكشف مسار كروبي بعد تلك النقطة تناقضات الجمهورية الإيرانية.
فقد ساعد، في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، في إقامة مؤسسات لدعم حكومة الخميني، ودافع عن الثورة حتى حينما ضاق نطاقها السياسي والمعنوي، وفرض الاحتشام في اللبس ومنع الموسيقى الغربية.
ثم أصبح النظام في النهاية أقسى مما كان يمكن أن يتخيل كروبي، بلجوئه إلى الإعدام الجماعي والتعذيب لفرض السيطرة.
وجاءت الحرب الإيرانية- العراقية في ثمانينيات القرن العشرين فسارعت من تحوله.
كانت هذه الحرب التي استمرت ثمانية أعوام ـ وكان كلا طرفيها مدعوماً بالأسلحة الأميركية ـ قد زادت من قدرات القوة شبه العسكرية المعروفة بالحرس الثوري الإيراني، وجعلت سياسات التضحية والمراقبة والطوارئ الدائمة وضعاً طبيعياً أعاد صبغة الحياة العامة".
" وبحلول أعوام القرن الحادي والعشرين الأولى، بات كروبي جالساً في البرلمان يحذر من تنامي قوة الدولة الأمنية.
وحينما اندلعت الحركة الخضراء في عام 2009 رداً على النزاع المحيط بإعادة انتخاب الرئيس الشعبوي محمود أحمدي نجاد، تحول كروبي إلى أحد أبرز المنتقدين للنظام في الداخل".
يرصد النصف الأول في" الثورة المسروقة" ترسيخ السلطة للمتشددين وإزاحتهم تدريجاً للإصلاحيين من أمثال كروبي، أما النصف الثاني فيلتفت إلى المقاومة، " وهنا يكتسب الكتاب حيوية خاصة بتصويره للشباب الإيرانيين الذين لم يعرفوا الثورة باعتبارها ذكرى شيء عاشوه وإنما باعتبارها إرثاً سياسياً".
" يعرض الكاتبان تفاصيل معاودة المجتمع المدني الظهور عند منعطف القرن الحادي والعشرين خلال رئاسة محمد خاتمي، إذ ازدهرت الصحف وتكاثرت الجماعات الشبابية الطلابية والحلقات الأدبية، فنشأت فضاءات أصبحت فيها الممارسة السياسية جزءاً من الحياة اليومية لا نظرية سياسية مجردة.
يقول الكاتبان إن ’الديمقراطية كانت النظام الذي أداروا به منظماتهم، فبدأ يبدو طبيعياً أن يدار البلد كله على ذلك النحو‘".
" وسرعان ما بدأت منظمات ثقافية تشعر أنها ذات أهمية سياسية.
وفي واقعة دالة، تقضي الناشطة هيلا صديقي ذات الـ17 سنة أسابيع في التخطيط لأمسية شعرية أمام جمهور من 500 شخص فإذا بالسلطات المحلية تلغيها فجأة، ولكن الشابة الصغيرة ترفض التخلي عن الفعالية فتجوب طبقات من البيروقراطية إلى أن يوقَّع مسؤول ثقافي بتوتر خطاب التصريح وهو يحذرها قائلاً ’إنني أشعل هذا الحريق لك ولي أيضاً‘".
لم يقتصر الخوف على صغار الموظفين، إذ تكتب دينا نايري في معرض تناولها قصة صديقي عن قول محمد خاتمي عن أفراد النظام المحيطين به: " إنهم لا يطيعونني".
لقد كان خاتمي على رغم جماهيريته الكبيرة" يتملكه الخوف لدرجة ألا يتكلم مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون نفسه في ممر بالأمم المتحدة.
فيكمن في مرحاض إلى أن ييأس كلينتون من انتظاره".
على رغم ذلك، كان الأمل قوياً في إحداث تغيير في النظام من خلال الانتخابات، إذ يكتب أصلان أن الكاتبين" يستحضران مزيج النشوة والارتجال الذي وسم (الحركة الخضراء)، إذ كانت مواد الحملة تنتقل من هاتف إلى آخر عبر البلوتوث في محطات مترو الأنفاق، وحيث امتدت سلسلة بشرية لعشرات الأميال عبر طهران، وأقنع المنظمون الشبان الناخبين بأن الحضور الانتخابي كفيل بالتغلب على أي تزوير يمكن أن تسعى إليه الدولة.
فتوافد الملايين على الشوارع مطالبين بمزيد من المحاسبة.
ومرة أخرى طفت على السطح لغة الحقوق والتمثيل.
ومرة أخرى بقيت الدولة، لا لأن المعارضة اختفت، ولكن لأن المؤسسات التي أقيمت لاحتواء المعارضة أثبتت أنها أقوى من القوى التي تتحداها".
ويبرع الكاتبان بصفة خاصة في استحضار الخوف والعفوية اللذين يرافقان إدراك تحول الإحباط بغتة إلى عمل جماعي.
وإيضاحاً لحركة (المرأة والحياة والحرية) التي بدأت في عام 2022، يصف الكتاب الناشطة الإيرانية الكردية روجين يوسف زاده وهي تسير في شوارع طهران بلا حجاب، متوقعة تماماً أن تتعرض للاعتقال في أي لحظة، لتكتشف أن الأغراب يستمدون الشجاعة من محض رؤيتهم إياها".
تكتب دينا نايري أن التحالف الذي قام بين المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي والقوات المسلحة كان بمنزلة" نقطة اللاعودة"، إذ يقول الرئيس الإصلاحي أكبر هاشمي رفسنجاني" إنهم بهذه المستويات من السلطة لم يعودوا خاضعين للانتخابات.
وما كان ينبغي أن نسمح مطلقاً ببلوغ هذا الحد".
وقد أثبتت انتخابات 2005 و2009 أنه على صواب.
فقد جرى تزويرها بوضوح لمصلحة محمود أحمدي نجاد (الذي بلغت أصواته 137 في المئة من جملة الناخبين في إحدى الدوائر الانتخابية في عام 2005).
" في يونيو 2009، أصبحت هيلا صديقي صوتاً رائداً في (الحركة الخضراء) التي ضمت ملايين المتظاهرين السلميين ممن توافدوا على الشوارع هاتفين: ’أين صوتي؟ ‘، فقوبلت تظاهراتهم بالعنف، وصدرت أوامر بوضع المرشحين الإصلاحيين كروبي ومير حسين موسوي رهن الإقامة الجبرية.
وانتهى عهد الإصلاحيين".
إضافة إلى كروبي وصديقي، يرصد الكتاب قصص شخصيات أخرى، منها كما تكتب دينا نايري" أمير مقدم الموظف المثالي الذي انقلب على رئيسه الفاسد، وسعيد رحماني رائد الأعمال التكنولوجيا الذي حاول الحفاظ على نزاهة أعماله، وهما يمثلان فصلاً استثنائياً في القصة.
ففي طفرة الشركات الناشئة في منتصف العقد الثاني من هذا القرن، يرجع الشباب الإيرانيون المتعلمون من أوروبا وأميركا الشمالية، وقد باتوا يتحدثون لغة الشركات.
وبدا لوهلة أن نزيف العقول الإيرانية بدأ يتباطأ.
غير أن ذلك لم يدم طويلاً.
فسرعان ما تتضح نوايا النظام العدائية تجاه أرباحهم فيرحل معظمهم مرة أخرى.
" ثم في منتصف العقد الثالث المضطرب من القرن الحالي، يظهر جيل علماني جديد متصل بمواقع التواصل الاجتماعي لا علاقة له بالمثل الدينية أو وعد الإصلاح.
فقد أوضحت لهم الإنترنت أنهم ’انعزلوا عن أبسط وأهم التجارب التي تعد من المسلمات لدى قرنائهم في أماكن أخرى.
وبعد أعوام من الاضطرابات الاقتصادية وسوء الإدارة الفج لجائحة كورونا، تشعل وفاة ماشا أمين وهي رهن الاعتقال في عام 2022 شرارة حركة (المرأة والحياة والحرية)، وهي الانتفاضة الأوسع في نطاقها الجغرافي.
روجين يوسف زاده وكوسار افتخاري من المشاركين في التظاهرات وترفضان علنا ارتداء الحجاب.
وكلتاهما تدفعان الثمن غالياً.
فكانت يوسفزاده من أوائل المعتقلين بسبب انتقاد وفاة ماشا أمين وفقدت افتخاري البصر بإحدى عينيها على أيدي الحرس الثوري".
ترى نايري أن هذه الحركات، محلية النشأة عميقة الجذور، تقوم على استخلاص الدروس من أخطاء الأجيال السابقة.
" وفي إيران اليوم لم تعد الأقليات الدينية أو النساء أو الشباب الليبراليون هم الذين يتظاهرون: إنما المسلمون والرجال كبار السن والآباء والفقراء.
وكتاب (الثورة المسروقة) سرد دقيق وثابت لمهازل النظام وجرائمه.
وقراءته ضرورية لكل من يبالي بحقوق الإنسان أو العدالة في الشرق الأوسط".
ويكتب رضا أصلان أن ما يبينه كتاب شرف الدين وتورباتي" في واقع الأمر هو أن الجمهورية الإيرانية نشأت عضوياً من تناقضات داخل الثورة الإسلامية نفسها.
فالنظام لم يخن مبادئ الحكم الشعبي والتخلص من القمع، ولكنه ترجم هذه المبادئ إلى مؤسسات تخدم الحكم".
ويأخذ أصلان على الكتاب أن سرده أحياناً" ينحو منحى الحتمية، وكأنما الانتقال من الأمل إلى القمع كان مقدراً، مع أن الكتاب نفسه يكشف مراراً عن لحظات كان يمكن أن تتطور فيها الأحداث على نحو مختلف، أو لحظات أرغم الضغط الشعبي فيها على تقديم تنازلات دائمة مهما كانت بسيطة.
ففي أواخر 2022، اعتقلت قوات الأمن أخيراً يوسفزاده لسيرها في الشوارع من دون غطاء رأس واقتادوها إلى شاحنة الشرطة.
لكنها لم تكن وحدها في عصيانها ذلك، ففي غضون أشهر قليلة، وفي أحياء كثيرة من أنحاء البلد كانت جماعات غفيرة من النساء يمشين غير محجبات في الشوارع للمرة الأولى منذ عقود".
" إن ما يعرضه شرف الدين وتورباتي في نهاية المطاف هو مجتمع كان يتغير من الداخل تغيراً بطيئاً، ولكنه دال من خلال مقاومة النساء وتنظيم المجتمع المدني وتغيرات الأجيال في الحياة العامة، قبل أن تؤدي هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل الأخيرة إلى تقوية القوى المصرة على قمع ذلك التغيير".
" " بقراءة هذا الكتاب في خضم الحرب، يصبح لعنوان الكتاب معنيان.
ففي بلد شكله النضال ضد النفوذ الأجنبي، لا ينال الضغط الخارجي من قوة النظام.
وبوفاة خامنئي وكثير من رجاله، برز الحرس الثوري وقد ازداد رسوخاً عن ذي قبل.
ويواجه المجتمع المدني ريبة متجددة ومساحة هشة أصلاً للإصلاح ـ في الأمسيات الشعرية والتظاهرات ـ وقد ازدادت ضيقاً تحت غيمة الأمن الوطني".
" ومع ذلك يمثل (الثورة المسروقة) في نهاية المطاف مقاومة لليأس.
فما يستمر عبر أجيالها من الناشطين والمعارضين ليس محض ذكرى وإنما مقدرة سياسية على الجمع والتنظيم والخيال المختلف.
والثورة بذلك المعنى لا تنتهي أبداً.
وهي، شأن القوى التي تعارضها، تتراجع وتتصلب وترجع".
تكتب روزماري غورنغ (ذي هيرالد- 2 يونيو 2026) أن" الثورة المسروقة" بمجموعة شخصياته التي تضاهي شخصيات" الحرب والسلام"، وبسرده للمناورات السياسية والخيانات والألاعيب، يمثل تحقيقاً صحافياً بارعاً مضفراً بالمحاورات والتحليلات" وعلى رغم ما في إطاره السياسي من تعقيد حتمي، فهو في جوهره قصة أشخاص حاولوا فقط أن يمنحوا الإيرانيين حياة أفضل".
العنوان: STOLEN REVOLUTION: Betrayal and Hope in Modern Iranتأليف: Yeganeh Torbati -Bozorgmehr Sharafedin.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك