بعد ترقب دام عدة أسابيع أعلن الرئيس دونالد ترامب انتهاء الحرب مع إيران بعد مضي أكثر من 100يوم على انطلاقها دون معرفة المكاسب السياسية والاستراتيجية لكل طرف على وجه التحديد رغم حديث كل جهة عن إنجازات وانتصارات كبيرة.
عسكرياً، كانت الحرب هزيمة نكراء لإيران ومحور الممانعة الذي خسر جبهة غزة وتراجع نفوذه كثيراً بجبهة لبنان وضعف تأثيره داخل العراق وغاب بشكل شبه كامل في اليمن.
لكن النظام الإيراني لم يسقط، بل شهد بروز قيادات جديدة أكثر تشدداً سيتوجب عليها التعامل مع واقع داخلي صعب نتيجة الحرب والحصار الطويل.
يبقى أن يرى العالم شكل ونتيجة المفاوضات خلال الستين يوماً وما إن كانت ستمر بسلام وبلا مشاكل بالتنفيذ وإن كان سيلتزم كل طرف بما يتوجب عليه.
وللتذكير، سيتم التوقيع على مذكرة تفاهم لتمديد وقف إطلاق النار، أي أن الحرب لم تنته.
إنما الحرب خلفت دروساً كبيرة لدول الخليج التي واجهت الجزء الأكبر من الاعتداءات الإيرانية على أراضيها، مخلفة جروحاً لن تلتئم لأجيال قادمة.
كما أظهرت الحرب أن الولايات المتحدة لم تعد حليفاً يمكن الاتكال عليه للحفاظ على أمنها، وأن سياسات التسلح والدفاع الخاصة بها بحاجة إلى مراجعة سريعة وإعادة نظر لرفع منسوب الردع.
فصحيح أن القوات المسلحة لهذه الدول قد أظهرت قدرات متقدمة جداً وفعالة في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات بالصواريخ الباليستية والجوالة والمسيرات، إلا أنها لم تستخدم قدراتها الهجومية بشكل كامل.
فرغم امتلاكها لقوات جوية كبيرة، إلا أن طبيعة التهديد وشكل الحرب التي وجدت نفسها بها وضعت قيوداً عليها.
كما أنها شعرت بأهمية سلاح البحرية لحماية موانئها وسواحلها ومضيق هرمز من التهديد والإغلاق.
يجب على دول الخليج أن تخصص ميزانية أكبر لبناء قوات بحرية تعطيها تفوقاً نوعياً أمام خصومها، كما هو الحال بالنسبة لقواتها الجوية التي تتفوق بأشواط بعيدة عما تملكه إيران.
وقد يشكل العامل البشري التحدي الأبرز على هذا الصعيد كون القوات البحرية تحتاج لعدد أكبر من الأفراد للسفن الحربية على أنواعها.
كما أنها تحتاج لقوة جوية خاصة بها ولجهاز خاص لإدارة سلاح الغواصات.
فهذه الدول تعتمد على المنافذ البحرية لغالبية صادراتها ووارداتها، وبالتالي يجب الاستثمار بقوات بحرية تستطيع حماية الممرات المائية.
والسبيل الوحيد لتخطي عقبة القوى البشرية هي أن تتكامل قدرات هذه الدول مع بعضها لتعمل كقوة مشتركة.
وخسارة إيران لسلاح بحريتها في الحرب يخلق فرصة لدول الخليج للبقاء متقدمة عليها وصولاً لإمكانية الهيمنة البحرية داخل الخليج وفي البحر الأحمر، بحر العرب.
لا يكفي أن تمتلك دول الخليج قوات جوية، بل يجب عليها أن تطور قوتها الصاروخية ليكون لديها خيارات في الهجوم المضاد.
فيجب عليها أن تطور محلياً برامج لإنتاج الصواريخ الباليستية والجوالة وبسرعة.
ولدى المملكة العربية السعودية برنامج قائم لتطوير الصواريخ الباليستية ساهمت الصين بإنشائه.
آن الأوان للمملكة لأن تفعله وتبدأ بتجارب علنية لتطوير وبناء ترسانتها الصاروخية بشكل يكون مداها قادراً على الوصول إلى كافة أرجاء الأراضي الإيرانية.
وإجراء تجارب صاروخية علنية بين الحين والآخر سيرفع من مستوى ردعها.
ويمكن لدول الخليج الأخرى أن تتعاون مع المملكة أو دول أخرى مثل باكستان والهند وكوريا الجنوبية للحصول على تكنولوجيا الصواريخ الباليستية والجوالة لتطويرها محلياً، وإنشاء قواعد لها داخل أنفاق ومدن صواريخ داخل الجبال، كما فعلت إيران.
لقد بدأت دول خليجية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة بتصنيع مسيرات هجومية انتحارية محلياً ويتوقع أن توسع هذه البرامج مع ازدياد اهتمام جيوش المنطقة بها.
فهي ستشكل عنصراً مهماً في الحروب المستقبلية، خاصة إذا تم تزويدها بالذكاء الاصطناعي وبمدى لا يقل عن ألف كيلومتر.
وللتمكن من الاعتماد عليها يجب النظر بإمكانية استخدامها لمنظومات توجيه بالأقمار الاصطناعية بشكل لا تكون محصورة فقط بنظام الجي بي أس الأميركي، بل بالأنظمة الأوروبية والصينية.
وأهم ما يجب أن تسعى له دول الخليج هو أن يكون لديها منظومة إنذار مبكر مستقلة تستطيع الاعتماد عليها.
فبلا انذار مبكر سيادي وفعال، لن يكون لكل الصواريخ الدفاعية والهجومية أي فعالية.
وهذا يستوجب الاستثمار ببناء شبكة أقمار اصطناعية خلال السنوات المقبلة يمكنها من رصد إطلاق صواريخ ومسيرات ضدها وبتزويد قواتها الهجومية بإحداثيات الأهداف المعادية والتحركات العسكرية للخصم.
تشكل الحرب الأخيرة في المنطقة والحرب الأوكرانية درساً مهماً لدول المنطقة حول سلبيات الاعتماد المفرط على الحلفاء في زمن تغيرت فيه قواعد اللعبة السياسية وتشابكت فيه المصالح وتصاعدت فيه دولياً قوى اليمين الداعية لأولوية مصالحها ولو على حساب حلفائها وتحالفاتها.
فأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول أخذت قرارها بالشروع ببرامج تسلح وسياسات دفاعية لا تعتمد فيها على الدعم الأميركي.
كما أن دولاً أخرى، مثل الهند، أخذت عدة خطوات للاستقلال عن روسيا ببرامجها للتسلح نتيجة عجز موسكو عن تلبية حاجاتها بسبب الحرب مع أوكرانيا.
حتى إسرائيل تضع الآن خطة عشرية للاستقلال عن الدعم العسكري الأميركي.
فهذه الحرب الأخيرة قد تكون أمريكا قد كسبتها عسكرياً، إنما خسرت فيها ثقة غالبية حلفائها في المنطقة وخارجها.
لقد دخل العالم مرحلة القوى متعددة الأقطاب المحفوفة بالمخاطر والنزاعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك