(كبير المعدين بالهيئة الوطنية للإعلام)أن تقف في رحاب بيت الله الحرام هذا العام، 2026، مستشعرًا طمأنينة المناسك وسلاسة التنظيم، تجربة تدفع الذاكرة تلقائيًا للارتداد أكثر من أربعين عامًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 1980، عندما تشرفت بزيارة هذه البقاع المقدسة لأول مرة مع أسرتي وأنا على مشارف المرحلة الإعدادية.
بين تلك الرحلة الأولى وبلورتها الراهنة، تتجلى ملحمة كبرى من التطوير الهندسي واللوجستي والتكنولوجي الذي حول رحلة الحج من “مشقة تحفها المخاطر” إلى “منظومة ذكية فائقة التيسير” تخدم ملايين الحجاج من كافة أصقاع الأرض.
تختزن ذاكرة الصبا عن حج عام 1980 صورة مكة المكرمة والمدينة المنورة ببيوت وفنادق بسيطة، ذات طابع تقليدي ومرافق متواضعة كانت تحيط بالحرمين الشريفين قبل التوسعات الكبرى؛ أما اليوم، في عام 2026، فقد تبدل المشهد العمراني تمامًا؛ حيث ترتفع الفنادق الحديثة والأبراج الشاهقة المطلة مباشرة على الساحات المقدسة، مجهزة بأحدث تقنيات الراحة والتحكم البيئي الرقمي.
هذا التحول لم يكن مجرد رفاهية، بل إعادة صياغة إستراتيجية لإدارة الطاقة الاستيعابية، تمكن ملايين الضيوف من السكن والتحرك بأمان ويسر بفضل شبكات الجسور والأنفاق الذكية التي تفصل حركة المشاة عن المركبات.
ولا تزال تفاصيل مشعر منى وعرفات في عام 1980 حية في مخيلتي؛ حيث كانت الخيام قماشية بسيطة وتفتقر لوسائل التبريد الحديثة، مما يجعل مواجهة حرارة الصيف اختبارًا قاسيًا للصبر والتحمل البدني؛ في المقابل، يقف حاج عام 2026 شاهدًا على أكبر مدينة خيام مطورة ومقاومة للحرائق في العالم في مشعر منى، مدعومة بأنظمة متطورة ومستدامة توفر بيئة مناخية ملائمة داخل الخيام والمشاعر كعرفات ومزدلفة، وهي نقلة نوعية في البنية التحتية أسهمت بشكل مباشر في خفض الإجهاد الحراري وحماية الصحة العامة للحشود المليونية.
ومن أبرز المقارنات التي تستوجب التوقف عندها هي رحلة الروحانية الممتدة بين الطواف والسعي والوقوف بعرفات؛ ففي حج 1980، كانت تلك المشاعر المقدسة تفيض بروحانية صامتة يمتزج فيها الخشوع بالمشقة البدنية البالغة، حيث كان الطواف والسعي يتطلبان جهداً مضاعفاً وسط زحام خانق تحت أشعة الشمس المباشرة، وكان الوقوف بعرفات اختباراً حقيقياً للصبر والتحمل في مواجهة الهجير والوسائل التقليدية.
واليوم في عام 2026 تحول الأداء الإيماني لهذه المناسك إلى تجربة روحانية ميسرة تفيض بالسكينة والطمأنينة؛ حيث كنتُ أسير في أروقة الطواف والسعي المبردة والموسعة، وقد وقفتُ في عرفات محاطاً بمنظومات تبريد ورعاية طبية تتيح للحاج التفرغ الكامل للعبادة والدعاء، محولةً النسك من مكابدة للمشقة إلى ارتقاء روحي خالص يجمع بين جلال العبادة وإعجاز التنظيم.
إن المقارنة بين حج 1980 وحج 2026 هي في جوهرها مقارنة بين مرحلتين؛ مرحلة كانت تعتمد على الجهود التقليدية والبنية التحتية الأولية، ومرحلة راهنة ترتكز على الذكاء الاصطناعي، والتخطيط الحضري المتقدم، والرؤية الإستراتيجية الشاملة.
إن التيسيرات التي شهدتها في رحلتي هذا العام ليست مجرد تسهيلات عابرة، بل هي نتاج منظومة عمل مؤسسية ومستدامة جعلت من أداء المناسك رحلة روحية آمنة وميسرة لكل مسلم ومسلمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك